من الم الإرهاب الى العقلانية المتفائلة

يروي الكاتب رحلة الوعي من فقدانه لعينه في عملية ارهابية وحتى وصوله الى بر الأمل لما صادفه من قيم انسانية لدى الفلسطيني والأردني اللذين صادفهما

أساف دافيد*

في مثل هذا اليوم قبل عشرين سنة أصبت بجروح بالغة في عملية انتحارية داخل حافلة بحي رامات إشكول بالقدس، ففقدت إحدى عيناي وأصيبت ذراعي.

لا تكون “إعادة التأهيل”  إلا عبارة لفظية، فمن الإصابات ما يظهر على السطح، ولكن منها ما يرافقني وعائلتي وأصدقائي، وتعلم من كانت صديقتي آنذاك، وقد تكون تقرأ هذه السطور الآن، كم أنا مدين لها لانتشالها لي من الهاوية.

مات شخصان كانا واقفين من جانبيّ ميتة غريبة لا يطالها الكلام، وإنني، وإن لم أكن أعرفهما، إلا أنني أتذكر اسميهما، كما اسم الانتحاري الذي كان ينتمي لحركة حماس، وقد حملني بعض الجالسين في الجزء الخلفي من الحافلة وساعدوني في الخروج. كانوا قد أصيبوا ببعض شظايا في أيديهم، ولكن أحدهم زارني في المستشفى ليروي لي أن ما شهده قض مضجعه بالمعنى الحرفي لهذه العبارة لشهور وشهور، أما أنا فقد وفر علي سقوطي على أرضية الحافلة مشاهدة الفظائع.

وحين أذكر، تعود الى ذهني وإذني وأنفي الصدمة والصمت والصراخ والألم والرائحة المروعة، فلذلك أحاول تجنب الذكرى. وسقط عدد آخر من القتلى وعدد كبير من الجرحى في الحافلتين اللتين كانتا تسيران جنبا إلى جنب. وأوضح الأطباء آنذاك أن إصابات الأطراف في الصيف تختلف عن طبيعة الإصابات الناشئة عن دوي الانفجار في الشتاء، حيث تكون نوافذ الحافلات مغلقة. وقد طال تغيير هائل حياة عدد كبير من العائلات، والى الأبد.

أكاد لا أمر من ذلك المكان اللعين، لأنني اسلك طريقا آخر إلى مكان عملي في الجامعة العبرية, ولكن حين أفعل ذلك، أرى حجر الرصيف الذي أقعدوني عليه والسور المصنوع من حجر مقدسي والذي ما زلت أتخيل رؤية آثار السخام عليه، والنصب التذكاري المتواضع للقتلى وتغمرني الذكرى ويفوّت قلبي نبضة، ليفلت مني كل هذا “التأهيل” عبر نافذة السيارة المغلقة، حتى لو كان الموسم صيفا.

كانت بداية عصر العمليات الانتحارية في الحافلات، ولم نكن قد اكتسبنا الخبرة في هذا المضمار آنذاك، وتلتها عمليات مروعة داخل الحافلات والأماكن المكتظة بالناس، حيث بات إحصاؤها متعذرا، ناهيك عن تذكر تلك التي سبقتها بيومين أو أسبوعين أو سنتين، إذ تبدو الصور جميعها متماثلة، ولكنها لا تُظهر شيئا.

بكيت مرتين بسبب ذيك العملية، كانت أولاهما خلال رقودي في قسم جراحة الرأس في مستشفى هداسا عين كارم المقدسي، حيث كان الممرض العربي عمر يقوم بتغيير عصابة العين وتنظيف الجرح وتعقيمه للمرة التي لا تحصى. وظل يتمتم بضع كلمات حول القسوة والعنف وكانت عيناه تذرفان الدموع، وأنا أذرف معه. أما المرة الثانية فكانت بعد ذلك بسنين، وفي الأردن، بعد أن كنت قد “تأهلت”، وكنت أرافق مجموعة من المزارعين والمرشدين الإسرائيليين الذين كانوا يدربون نظراءهم الأردنيين ضمن دورة خاصة حول التخلص من الحشرات والقوارض بواسطة طيور البوم. وروى صديق أردني حميم لصديق أردني آخر كنت تعرفت عليه في اليوم ذاته أنني أصبت في عملية انتحارية وفقدت عيني، فتقدم الأخير مني ليقول: “من أصابك؟، هل هو فلسطيني؟”، فأجبته قائلا: “نعم، ومن يكون إن لم يكن فلسطينيا؟” فاقترب مني مشيرا إلى عينه قائلا: “هي لك عوضا عن عينك”، فتذكرت أن أبي قال لي الشيء ذاته بعد إصابتي.

وعلى مر السنين كدت لا أخبر بقصتي سوى قلائل، رغبة مني في الفصل بين الماضي والحاضر والعيش حياة عادية، يعيشها الناس العاديون الذين تتحداهم مواجهات شخصية ومهنية يوميا، ليحمل كلٌّ حمله. وكثيرا ما كنت أحضر اجتماعات ونقاشات أكاديمية ومهنية حول الصراع والإرهاب وأردت النهوض لأصرخ قائلا: “ماذا تعلمون عن هذا كله؟” ولكنني التزمت الصمت.

وقبل شهرين تصدع صمتي لأول مرة، ضمن تقرير لصحيفة “هآرتس”، حيث فكرت مليا لأتوصل إلى أنه من المناسب الربط بين مبادرة “منتدى التفكير الإقليمي” الذي أترأسه والواقع بهذا الشكل بالذات. وسرني أن يكون الصحفي هيلو غلازر تطرق إلى هذه الفقرة باختصار وحساسية ليحسن ربطها بموضوع التقرير وهو المنتدى، حيث كنت قد قلت ضمن التحقيق الصحفي الممهد للتقرير وفي مقابلة أو اثنتين بعد أن نشر، إن ما أصابني يصاب به أطفال فلسطينيون بين الحين والأخر، حين نٌفقدهم عيونهم وأحيانا حياتهم بواسطة العيارات المطاطية أو الرصاصات أو حرقا أو قصفا، لا دولة من ورائهم ولا مؤسسات قوية تمد إليهم يد العون مثلما مدت إلي، ليظلوا قابعين في منازلهم بلا هدف ولا امل وتكون حياتهم قد أصابها الدمار التام. لم يكن هؤلاء إرهابيين عند تعرضهم للإصابة، ولكنهم قد يصبحون إرهابيين نتيجة ذلك عندما يكبرون.

وفكرت في أنني لو رويت ما حدث لي، ستمكّن روايتي البعض وتلقي ظلالا من الشك في أذهان الناس حول الصراع والإرهاب.

إن محاربة الإرهاب تشمل محاربة المواقف والمعتقدات والأعمال العنصرية ضمن المجتمع الإسرائيلي وتستدعي وضع المرآة القاسية أمامه، علما بأن الوجهين هامان وقابلان للتحقق ولا يناقض أحدهما الآخر. ولعل قصتي حين تُجمع بالأمور التي نكتب ونتحدث عنها ضمن المنتدى ستؤدى إلى التفكير لا فيما يسببون هم لنا من معاناة وحسب، بل أيضا فيما نسببه نحن لهم من معاناة، ويوقع الأبرياء من الجانبين يوما بعد يوم في دائرة الدم والعنف والثأر التي لا نهاية لها ولا هدف. ورغم عدم تفاؤلي بقدرتي على الإقناع وتغيير سلوكنا وممارساتنا، إلا أنني أحاول أن أكون متفائلا، بل من واجبي أن أكون متفائلا.

*د. أساف دافيد هو أستاذ غير متفرغ بقسم العلوم السياسية في الجامعة العبرية في القدس ومدير منتدى التفكير الإقليمي التابع لمركز مولاد للنهوض بالديمقراطية في إسرائيل

تصوير: قناة 1 الاسرائيلية

تعليقات