ما مصير الربيع العربي؟ تحليل من إسرائيل

لقد مضى ما يزيد عن ست سنوات على انفجار “الربيع العربي”، ولكن حياة معظم عرب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أصبحت أسوأ مما كانت عليه سنة 2011، والساحة يتم تهيئتها حاليا لنهضة شعبية أخرى في البلدان التي نفدت خيارات حكامها

 

بقلم: شلومو بن عامي/ مشروع “سنديكيت”

لقد مضى ما يزيد عن ست سنوات على بداية “الربيع العربي”، ولكن حياة معظم العرب باتت اليوم أسوأ مما كانت عليه في عام 2011، حيث تتفشى البطالة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، اللذين تتراوح أعمار ثلثين من سكانهما بين 15-29 عاما، في الوقت الذي سدت فيه الأنظمة في مختلف أنحاء المنطقة قنوات التعبير السياسي وردّت على الاحتجاجات الشعبية بوحشية متزايدة.

إن حكومات كل من مصر والعربية السعودية وإلى درجة معينة المغرب أيضا، تعكس ما يظهر من عجز الأنظمة العربية على تجنب شرك الأوتوقراطية، رغم كون الظروف الحالية تشير إلى أن صحوة شعبية جديدة قد أصبحت وشيكة.

وتقدم مصر مثالا ممتازا على الطريقة التي تنتهي بها الثورة إلى الخيانة، إذ إن دكتاتورية الرئيس عبد الفتاح السيسي تبلغ من العنف ما يتجاوز دكتاتورية حسني مبارك الذي كان حكمه الذي استمر 30 عاما قد انتهى بفعل تمرد العام 2011، حيث حوّل السيسي الكبت والقمع، وبواسطة قوة من الشرطة يصفها هو بنفسه “بمافيا تتكون من مليون شخص” إلى مبدأ منظِّم في نظام حكمه.

وسوف يكون إنجازا جبارا لو تمكن أحدهم من إصلاح الاقتصاد المصري بشكل يفيد سكان مصر البالغ عددهم 95 مليون شخص (مع العلم أنهم يزدادون سنويا بواقع مليوني شخص)، وهي مهمة لا يمكن أن يتجنبها قادة مصر، لأن الميثاق الاجتماعي خلال فترة حكم مبارك، والذي استعاض المصريون بمقتضاه بدولة رفاهية ودعم حكومي سخي عن فقدان حريتهم، لم يعد ممكنا.

حين تبلغ البطالة بين الشباب نسبة %40، لا يستطيع سوى رئيس إصلاحي شجاع انتشال مصر من حافة الكارثة الاقتصادية. ومن المؤسف أن يكون السيسي بدلا من توفير الأمل لجيل الشباب الذين احتجوا في ميدان التحرير قبل ست سنوات، قد كبت المبادرات التجارية الفردية جاعلا القوات المسلحة هي العامل الرئيس على الساحة الاقتصادية.

ومن الجائز أن يكون الخوف من زيادة تنامي التململ الاجتماعي، يفرض على السيسي الاستجابة للشروط التي كان صندوق النقد الدولي قد وضعها في تشرين الثاني / نوفمبر الماضي لتقديم 12 مليار دولار كدعم لمصر، علما بأن هذه الشروط تتضمن تقليصا كبيرا جدا لفاتورة رواتب القطاع العام الخارج عن حجمه الطبيعي، والذي ما زال يشغل ستة ملايين من الناس (عدا القوات المسلحة والشرطة)، ثم تخفيض دعم المواد الاستهلاكية، والذي ما زال نصيبه من الموازنة العامة يبلغ %30.

لقد عرض السيسي عددا أقل من القنوات المؤسسية للتعبير السياسي مما كان متوفرا في عهد الرئيس مبارك والذي كان يعتمد نظام الحزب الواحد. وتفيد بيانات للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بأن عام 2016 قد شهد خمسة أضعاف عدد المظاهرات من متوسط عددها في السنوات التي سبقت الربيع العربي، ما يعني أن ثمة بركانا اجتماعية يتكون، ولا بد من أن ينفجر عاجلا أم آجلا.

وفي العربية السعودية صمد النظام الملكي الثيوقراطي بوجه الربيع العربي بسهولة نسبية، وذلك لقدرته على تقديم المكافآت المالية لرعاياه بقدر كبير من السخاء، ولكن العهد الاجتماعي السعودي، أسوة بمصر، لم يعد يحتمل، بسبب هبوط أسعار النفط والزيادة السكانية التي بلغت نسبتها أكثر من 25% خلال العقد الأخير فقط.

وكانت الحكومة السعودية قد اضطرت في مطلع العام الحالي إلى اقتطاع رواتب القطاع العام والدعم الحكومي للمواد الأساسية، ما يمثل خطرا كبيرا يتهدد النظام (وإن كانت الرواتب قد عادت بسرعة إلى مستواها بعد تنظيم مظاهرات احتجاجية في أربع مدن)، ويعود ذلك أساسا إلى كون الدولة أكبر مشغل للمواطنين السعوديين.

وقد علق العديد من الأوتوقراطيين في المنطقة آمالهم على “النموذج الصيني” للتنمية بغير ديمقراطية، ولكن هذا النموذج قد خذلهم بدون شك، لكونه يتطلب، ولكي يكون ناجعا، يتطلب قدرا غير معقول من إعادة الهيكلة الاجتماعية الاقتصادية والسياسية في الظروف السائدة في العالم العربي.

ويشير ذلك إلى أن خطة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الطموحة لتحويل اقتصاد بلاده المعتمد على النفط إلى اقتصاد صناعي عصري ستستلزم مسيرة طويلة غير مأمونة العواقب، إذ لن تلقى الإصلاحات السياسية النجاح إن لم تواكبها إصلاحات سياسية بعيدة المدى من شانها زعزعة أركان النظام.

أما المغرب، وهو مملكة أيضا، فقد خرج من الربيع العربي بسلام، شأنه شأن العربية السعودية، إذ استجاب الملك محمد السادس بحكمة للمتظاهرين بعرضه عليهم الإصلاحات الدستورية وإجراء انتخابات، ولكن المغرب يواجه حاليا “لحظته التونسية”، التي تذكرنا بانتحار البائع المتجول محمد بوعزيز حرقا سنة 2010، كخطوة احتجاجية على المضايقات الحكومية.

كان الفعل اليائس لبوعزيز قد أشعل الربيع العربي، وقد شهد المغرب خلال العام الماضي حدثا مماثلا، حين قُتل التاجر محسن فكري سحقا داخل ضاغط للنفايات وهو يحاول استرجاع سلعته من الأسماك التي صادرتها السلطات منه. وقد أطلق مقتل محسن فكري موجة من المظاهرات الاحتجاجية على امتداد منطقة الريف الشمالي والمعروفة بتاريخها الطويل من الاضطرابات والثورات.

كثيرا ما تدفع أجواء التمرد والثورة بأناس غير معروفين سابقا إلى دفة القيادة. وفي الريف قاد هذه الاحتجاجات رجل عاطل عن العمل عمره 39 سنة واسمه ناصر زفزافي، حيث امتدت المظاهرات إلى مناطق أخرى من البلاد. وقد نقل زفزافي خطاباته النارية عبر الإنترنت بالبث المباشر، وقد ألقاهه باللهجة المحلية مهاجما الفساد الحكومي “والدكتاتورية” المغربية. وفي 11 حزيران / يونيو شهدت العاصمة الرباط أكبر مظاهرة منذ انفجار الربيع العربي.

وبخلاف والده الملك الحسن الثاني دعم الملك محمد السادس ثقافة البربر المحلية لتلك المنطقة، بل استثمر الأموال في تحويل منطقة الريف الساحلية إلى مركز كبير للصناعات اليدوية، ولكن التقدم تميز بعدم الانتظام، لكون النظام الملكي ينفرد بجميع المبادرات الاقتصادية التي أطلقتها الحكومة، حيث لم تتحقق حتى الآن الاستثمارات الموعود بها عام 2015.

ولكن الملكية المغربية كانت دائما تسبق غيرها من الأنظمة العربية بخطوة واحدة حين كان الأمر يرتبط بالاستجابة المدروسة للمزاج العام، وقد يساعد هذا الدهاء السياسي مجتمعا بالتحسن الاقتصادي الذي تعيشه البلاد النظام على الصمود بوجه الاضطرابات والغليان العنيف القادم، ولكن سيترتب على الحكومة أيضا تطبيق الإصلاحات السياسية التي كانت قد وعدت بها عام 2011، من خلال إرخاء قبضتها على الاقتصاد ودفع النمو والازدهار الشاملين، بما في ذلك التعامل مع الفجوات العميقة القائمة بين المناطق المغربية.

إن الملوك والأوتوقراطيين “المنتخبين”، حين لا يستجيبون للاحتجاجات الشعبة بثورة مراقبة تأتي من فوق، لا مفر لهم من مواجهة ثورة أكثر قوة من تحت، وفي حالة الأنظمة العربية، يعجز الدعم المالي الحكومي من جهة والتهديدات بالقمع من جهة ثانية عن إعادة المارد إلى القمقم.

شغل شلومو بن عامي منصب وزير الخارجية الإسرائيلية سابقا، منصب نائب رئيس مركز توليدو الدولي للسلام، وهو مؤلف كتاب “ندوب حرب وجراح السلام: المأساة الإسرائيلية العربية”.

حقوق الصور: ويكيمديا، جوناتان راشاد، رامي راوف

تعليقات