مذكرات الوزير الذي هاجم إسرائيل “وزيرا” ودعم الحوار معها “متقاعدا”

تتواصل ردود الفعل على الساحة المصرية عقب طرح وزير الخارجية والأمين العام للجامعة العربية الأسبق عمرو موسى لمذكراته، وهي المذكرات التي حملت عنوان “كتابيا”، وأثار بها موسى الكثير من النقاط الجدلية والهامة

مراسل المغرد عزت حامد

رغم حرصه طوال حياته الدبلوماسية على عدم الإدلاء بآرائه الصريحة ضد إسرائيل، جاءت مذكرات وزير الخارجية المصري الأسبق عمرو موسى التي حملت اسم “كتابيا” لتشعل حالة من الجدال على الساحة الثقافية المصرية، خاصة مع كشفه لبعض من الأسرار المتعلقة بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وكشف موسى على سبيل المثال في هذه المذكرات أن عبد الناصر كان يحضر طعامه الخاص من سويسرا، مثله مثل الاثرياء والاباطرة في العهد الملكي، وهو ما ينفي تماما صفة الزهد أو محاربة الثراء التي كان ناصر يرفعها ويحاول إقناع المصريين بها مع اشتعال ثورة الضباط الأحرار عام 1952، الأمر الذي أثار جدالا واسعا في مصر منذ صدور هذه المذكرات أخيرا حتى الان.

إسرائيل

غير أن أبرز ما في هذه المذكرات هي رؤية عمرو موسى للسلام مع إسرائيل، حيث يعترف بأن لا بديل عن التفاوض والحديث المباشر مع الإسرائيليين لحل الأزمة السياسية بالشرق الأوسط. ويقول موسى في هذه المذكرات أنه اعترف للسفير محمد إسماعيل نجل المشير أحمد إسماعيل بأهمية التفاوض المباشر مع الإسرائيليين.

ويقول موسى نصا في هذه المذكرات “سألنى إسماعيل عن رأيى فى مسار التفاوض مع الإسرائيليين بعد أن سكتت المدافع على الجبهة. قلت: ‘يا محمد كل ما نقوم به بلا جدوى'”.

“لابد من اتصال مباشر الآن بيننا وبين إسرائيل. أرى أن نطرح هذا الأمر للمناقشة فى وزارة الخارجية وعلى مستوى صناعة القرار فى الدولة بكاملها”، يقول موسى في مذكراته.

واتنتقد موسى وسطاء السلام بين مصر وإسرائيل واصفا إياهم القومسيونجية اي السماسرة، مشيرا إلى أن القوى الدولية سواء الروس أو الأمريكيين لا تتحدث بوضوح عن هذه النقطة، مشيرا إلى أن الحل هنا يكمن في التفاوض المباشر بين العرب وإسرائيل.

حوار في الخفاء وانتقاد في العلن

اللافت هنا أيضا أن موسى كشف زيف الادعاءات التي تروج لها الكثير من الدول العربية التي تعلن العداء لاسرائيل في العلن ولكنها تتفاوض معها سرا في الخفاء. وقال موسى أنه شارك في مؤتمر القمة الإسلامى فى الكويت، الذى انعقد فى الفترة من 26 ــ 29 يناير 1987م، وفي هذا المؤتمر هاجمت سوريا مصر بسبب مسيرة السلام وتمسكها بالسلام مع إسرائيل، الأمر الذي دفعه إلى فضح سوريا. ويقول موسى نصا في هذه المذكرات: “مع اتهام السوريين لمصر بالخيانة والتخلى عن الحقوق والثوابت العربية قررت شن هجوم مضاد كاسح، اعتمدت فيه على عنصر المفاجأة وقلت الآن فقط تستطيع مصر أن تفضح من يزايدون عليها وعلى عروبتها وهى قائدة هذه الأمة.. ها هى وثيقة أكشف عنها أمام الاجتماع تفضح اللقاءات السرية بين الإسرائيليين والسوريين، الذين يملأون الأرض حديثا عن الكفاح والنضال وانتقاد الآخرين الذين يعملون فى العلن ولا يوجد لديهم ما يخفونه”.

وكشف موسى ان جهة مصرية ما اعطت للوفد المصري قبل سفره محاضر الجلسات السرية للمباحثات بين السوريين وإسرائيل، وهي المباحثات التي كانت تتم في منتصف الثمانينيات في العاصمة السويسرية برن. وقال موسى أن الجهة المصرية حددت مكان وموقع اللقاء بين السوريين والإسرائيليين بل وكشفت عن التوصل بين الفريقين السوري والإسرائيلي على بنود اتفاق سياسي عام يتعلق بالقضية الفلسطينية وبعض من البنود الخاصة بعملية السلام.

ولم يكشف موسى عن الجهة المصرية التي منحت الوفد المصري هذه المحاضر، إلا أنها يمكن أن تكون المخابرات المصرية، الأمر الذي يكشف عن علاقة موسى بالأجهزة الأمنية التي يبدو أنها استخدمته بحكم منصبه في تحقيق أهدافها السياسية، رغم أن موسى طالما تحدث وزعم أنه كان حريصا طوال عمله الدبلوماسي على عدم التواصل مع اي جهاز أمني يمكن أن يتدخل في عمل الوزارة.

انتقاد لعبد الناصر

ويكشف موسى لأول مرة عن تفاصيل تأثير الانتصار الاسرائيلي في حرب الايام الستة عليه، حيث يقول هزيمة يونيو 1967 كانت بمثابة نهاية صولجان عبدالناصر وبداية لتدهور الأحوال المصرية.

“حدث ما حدث فى 5 يونيو، فأصبت بإحباط مهول. كنت حزينا جدا، مبعث حزنى أننى كنت قد بدأت أتلمس الحقيقة بعد مضى عدة ساعات لاندلاع القتال. كنا فى مكتب الوزير نعرف أن إذاعتنا وصحافتنا تكذب بشأن حجم الطائرات التى يتم الإعلان عن أننا أسقطناها؛ لأننا نستمع إلى إذاعات أجنبية كثيرة، ونطلع بانتظام على تقارير وكالات الأنباء ذات المصداقية، وكلها أجمعت على تقدم القوات الإسرائيلية فى سيناء” يصف موسى متابعته للانتصار الإسرائيلي الباسل والعظيم على قوات الجيش المصري.

ويصف موسى الانتصار الإسرائيلي بالكارثة قائلا: “تيقنا مع متابعتنا لوسائل الاعلام الأجنبية حجم الكارثة، وتيقنت بأن شكوكنا بشأن حدوث كارثة كبيرة قد تأكدت.. وانتصرت إسرائيل”.

عموما فإن ما كشفه موسى في مذكراته واعترافه بتأييده للسلام والتفاوض المباشر مع إسرائيل بعد سنوات من الاعتقاد بغير ذلك يمثل اعترافا عربيا جديدا بأهمية التفاوض مع إسرائيل وبدء الحوار معها، وهو الاعتراف الذي ينظر إليه البعض بأنه أتي متأخرا بعد سنوات من رفض التواصل المباشر والحفاظ على سلام بارد أو مجمد بين مصر وإسرائيل أو بين إسرائيل ومختلف الدول العربية.

حقوق التصوير: By World Economic Forum [CC BY-SA 2.0], via Wikimedia Commons

تعليقات