اختفاء اطفال يهود اليمن: جرحٌ مفتوح في إسرائيل يندمل قريبا؟

مما لا شك فيه ان كل مجتمع متقدم يتعاطى مع تحديات تطفو على السطح من ملفات التاريخ تستدعي مواجهتها بامانة، لئلا تتكرر في المستقبل. لغز اختفاء اطفال شتات يهود اليمن هو احد المواضيع التي تشغل حاليا الراي العام في إسرائيل

رأي المغرد

وصلت في فصل الشتاء من عام 1950 إلى إسرائيل عائلات من يهود الشتات في اليمن في إطار حملة خاصة لاستقدامهم أطلِق عليها اسم “على أجنحة النسور”. وقد نُقلت العائلات إلى المخيمات المؤقتة التي أقيمت حينها في أنحاء البلاد لاستقبال حشود المهاجرين الجدد ،حيث تم إسكانهم في أكواخ وخيام. وتم في تلك الفترة تحويل أطفال صغار من أبناء تلك العائلات إلى بعض المستشفيات بداعي تعرضهم لأمراض مختلفة وسط الأجواء العاصفة التي كانت تسود البلاد، إلا أن آثار هؤلاء الأطفال فُقدت منذ ذلك الحين. وتم إبلاغ أولياء أمور الأطفال بوفاتهم، كما تم عرض شهادات الوفاة الوهمية عليهم في بعض الحالات ولم تسلم جثث كما لم يتم دفن الأطفال في أي مقبرة.

كان ذلك منطلقاً لقضية مؤلمة وخطيرة ومثيرة للخواطر أطلِق عليها لاحقاً اسم “قضية أطفال اليمن” إلا أنها تخص بالفعل اختفاء آثار أطفال من عائلات المهاجرين الجدد الذين كانوا ينحدرون أصلاً من اليمن وعدة دول أخرى في الشرق الأوسط والبلقان. وتم على مرّ السنين تشكيل عدة لجان عامة ورسمية وتكليفها بحل اللغز المكتنف بالقضية إلا أن نتائج عمل هذه اللجان لم تزِد القضية إلا غموضاً. كما طُرحت أحياناً إفادات لأشخاص كانوا ضالعين في اختطاف أولئك الأطفال حيث تزايدت في أعقاب ذلك حدة مشاعر الصدمة لدى المواطنين.

تعددت الاسباب والنتيجة واحدة

حسب صحيفة إسرائيل اليوم، هناك عدة تكهنات منها من يرى في اختفاء الأطفال نتيجة للعنصرية والأحكام المسبقة والتمييز بحق أبناء طوائف اليهود الشرقيين. كما يقول آخرون إن المؤسسة الحاكمة كانت شريكاً فعالاً في قضية اختفاء الأطفال. وزادت مؤامرة الصمت المريب المحيط بالقضية من وتيرة طرح الفرضيات حول دوافع اختطاف الأطفال. ورأى البعض أن السبب من وراء ذلك كان يعود إلى الرغبة في نقل الأطفال إلى بيئة تسودها أنماط الحياة العلمانية بدلا من الدينية الى كانت تميز يهود اليمن. بل هناك من  نسب القضية لمؤامرة استهدفتتحقيق الارباح من بيع الأطفال لتتبناهم عائلات جديدة في البلاد والخارج. من جانبها قالت جهات مقرَّبة من المؤسسة الحاكمة إنه كانت هناك نية طيبة عند التعامل مع الأطفال حرصاً على مصالحهم وسعياً لتوفير بيئة منزلية وتربوية خلاقة لهم.

أياً كانت الدوافع وراء اختطاف الأطفال فإن توجه المؤسسة الحاكمة  آنذال آثر تفويت الفرصة على اكتشاف الحقيقة والعمل على استمرار حجبها عن عيون المواطنين. إذ تم دفن الوثائق والإفادات والشهادات المختلفة في الأرشيفات المظلمة  لسنوات، باعتبار أن الزمن اكبر مداوِ للجراح.

غير أن الضغط العام في القضية كان له مفعوله أيضاً، حيث عادت القضية تطفو على سطح الأجندة الإعلامية كما يحدث عادة في النظم الديمقراطية. وتطرق رئيس الوزراء وأعضاء مجلسه وعدد من نواب الكنيست في الأيام الأخيرة إلى القضية حيث يُستدل من تصريحاتهم بأن المحاضر المتعلقة بالتحقيقات التي جرت في قضية اختفاء أطفال يهود الشتات من اليمن في السنوات الأولى بعد قيام دولة إسرائيل، سوف تخرج إلى النور في نهاية المطاف.

وتطرق للقضية رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو قبل عدة أيام في جلسة خاصة عقدتها لجنة الدستور والقانون والقضاء التابعة للكنيست: “إن القضية تُعتبر جرحاً غائراً ما زال ينزف لدى العائلات المعنية التي تجهل حقيقة ما تعرض له أطفالها. وتبحث هذه العائلات عن الحقيقة وتسعى لاستيضاح ما جرى، وعليه أعتقد بأن الوقت قد حان للاطّلاع على التفاصيل وتحقيق العدالة”. من جانبها قالت النائبة نوريت كورين من حزب الليكود التي بادرت إلى عقد هذه الجلسة: “إنني أنحدر من أصل يمني حيث تحتلّ القضية رأس أولوياتي. وترافقني القصص عن اختفاء الأطفال منذ نعومة أظفاري، حيث أعجز بصفتي أماً وجدة تصوّر احتمال انتزاع الطفل من حضن والدته. وبالتالي يحتّم علينا واجبنا الأخلاقي وضع حد لهذا الظلم، ولن يهدأ لي بال إلى أن ترى الحقيقة النور”.

من جانبه روى النائب يوسي يونا من كتلة “المعسكر الصهيوني” قصة ابنة عمه التي أصابها مرض اليرقان (الصفار) ثم اختفت آثارها خلال فترة علاجها بالمستشفى وقيل إنها فارقت الحياة. وعندما طلب والدها منحه شهادة الوفاة تلقى الإجابة الآتية: “ماذا تفكر، هل تعتقد بأنك تعيش في العراق؟ لا توجد في إسرائيل شهادات وفاة للأطفال”. أما النائب يؤاف بن تْصور من حزب شاس فتحدث عن عمّه وابنته اللذيْن اختفت أيضاً آثارهما، مشيراً إلى أن جدته المرحومة توفيت عن عمر يناهز 98 عاماً بعد أن تعذبت طيلة حياتها بسبب اختفاء ابنها. وأضاف أن عمه لم يتمكن بدوره إلا عندما دنا أجله من العثور على ابنته المفقودة.

خلاصة القول: إن هذه القضية تؤكد مجدداً حق المواطنين الإسرائيليين في مساءلة السياسيين والمسئولين لمعرفة مجريات الأحداث على حقيقتها حتى لو  كانت وصمة عارمن  شأنها  تعميق الألم لجراح لم تندمل. كشف الحقيقة بحد ذاته يضمن وجود مجتمع متعافِ ومنفتح.

تعليقات