العرب الإسرائيليون – من الانعزال إلى الاندماج

يخضع العرب الإسرائيليون لعملية اندماج في المجتمع اليهودي، وعملية اندماجهم في الاقتصاد الإسرائيلي تتوسع يوما بعد يوم، ونسبة تناسلهم أقرب من أي وقت مضى من نسبة تناسل السكان اليهود لكن هناك حاجة الى المزيد من الجهود من كلا الطرفين

ملخص مقال رأي  بقلم موشيه بن عطار

نشر على مدونته بالعبرية  في موقع هآرتس

قبل أيام كنت أتكلم في حيفا أمام مجموعة من العاملين في التعليم وشؤون المجتمع العرب الإسرائيليين، وفي حوار استمر لبضع ساعات أعربوا لي عن شعورهم بأن الدولة تزيد من حشرها لهم في زاوية وتقود الوسط العربي برمته إلى الغليان المتزايد.

يمثل العرب الإسرائيليون اليوم أهم مشكلة يترتب على المجتمع الإسرائيلي التعامل معها، فبعد 67 سنة على تأسيس دولة إسرائيل، لا يزالون، وهم يمثلون ربع عدد سكان الدولة، يشعرون نحوها بالغربة، تجيش فيهم مشاعر الظلم والإجحاف. إنها إلى درجة كبيرة نتيجة فشل التوزيع المتكافئ للموارد الوطنية، ولكن من الجهة الأخرى يرفض العرب الإسرائيليون المبدأ الأساسي القائل بأن دولة إسرائيل قد تم إنشاؤها تطبيقا لحق الشعب اليهودي في تقرير مصيره، ولموقفهم هذا يتردد المجتمع الإسرائيلي في قبولهم كمواطنين متساوي الحقوق.

يدرك العرب الإسرائيليون جيدا كون إسرائيل دولة ديمقراطية تمكنهم من إدارة حياتهم بقدر من الحرية والأمن الشخصي والقدرة على تحقيق الازدهار الاقتصادي خلافا لما ينعم به مواطنو معظم الدول العربية. ولكن العديد من العرب الإسرائيليين يريدون الآن تطبيق حق تقرير المصير ضمن إطار الدولة، وتحويلها من دولة اليهود إلى دولة جميع مواطنيها.

تكافح الأقليات في كافة أصقاع العالم لنيل حقوقها، ولكن إسرائيل تعيش وضعا مختلفا يضع العراقيل أمام تطبيق حق أبناء الأقلية العربية في المساواة، إذ يعيش العرب الإسرائيليون بين عدة هويات، تلزمهم كل منها بالولاء لمجموعة أو مؤسسة أو فكرة، فهويتهم السياسية والمدنية إسرائيلية، حيث يحملون بطاقات هوية وجوازات سفر إسرائيلية، ويتم تمثيلهم في الكنيست وهم ينطقون باللغة الرسمية، أي العبرية. أما هويتاهم العرقية والقومية فإحداهما عربية والأخرى فلسطينية، فيما تتمثل هوية معظمهم الدينية في الإسلام. هذه الهويات لا تتعايش بسلام.

يمثل الواقع الأمني ثقلا حاسما في العلاقات بين الأقلية العربية والأغلبية اليهودية، ويجوز للمرء أن يتوقع من العرب تفهم الصعوبة التي تواجهها الدولة في فتح بعض مسارات التقدم الحساسة أمنيا بوجههم، ما دام النزاع القائم بين الدولة اليهودية والفلسطينيين لم يتم تسويته. ويعمل ضمن هذا الواقع أيضا عنصر نفسي قوي جدا يتمثل في ذكرى المحرقة اليهودية المحفورة في أعماق الوعي اليهودي، وما تفرزه من مخاوف آخذة في التزايد أمام ما شهدته منطقة الشرق الأوسط من أحداث ولا سيما شبه جزيرة سيناء وسوريا ولبنان خلال السنوات الأخيرة.

8121424932_e0415d791a_z

ولا تساهم القيادة العربية وعلى رأسها لجنة المتابعة العربية وأعضاء الكنيست العرب ورؤساء الشق الشمالي للحركة الإسلامية في إيجاد حركة إيجابية في العلاقات مع الأغلبية اليهودية عامة، ومع جهات المؤسسة الرسمية وصانعي القرار خاصة. ويمكن اعتبار رفض هؤلاء لعملية الأسرلة التي يمر بها العرب الإسرائيليون كفاحا ضد فقدان الهوية، ولكن هل من الممكن النظر إلى المعركة التي يخوضونها ضد الخدمة الوطنية العربية التي يفرض فيها أن تخدم الوسط العربي نفسه على أنها جزء منه؟ وبشكل أكثر تحديدا يمكن القول إن الأغلبية اليهودية لا يمكنها التسليم بما يقوم به الشق الشمالي للحركة الإسلامية من أعمال تستهدف القضاء على دولة إسرائيل.

وبصفتي إسرائيليا يسعى بصدق للعمل على الارتقاء بأوضاع العرب الإسرائيليين ومحو عدم مساواتهم الماثل للعيان، أحلم في قيادة عربية جديدة تنمو من الأساس وتشق مسارات جديدة للتقدم بالسكان العرب، ولكن بدون فقدان الصلة بتقاليد هذه المجموعة السكانية وبدون إلغاء اعترافها بإسرائيل دولة لليهود وديمقراطية غربية حديثة. لقد آن الأوان لكي ترفع الأغلبية الصامتة للعرب الإسرائيليين صوتها، وتستنكر أيضا، والى جانب استنكارها للعنف اليهودي نحو العرب، الإرهاب الذي يمارسه بعض العرب الإسرائيليين والفلسطينيين بحق اليهود.

ولكن عدا عن التحركات الهادفة إلى منع الاستقطاب والعداء، يترتب على العرب الإسرائيليين اتخاذ مبادرة من عندهم للاندماج المتكافئ في المجتمع الإسرائيلي، وهي مبادرة تبدأ على الصعيد السياسي، حيث يفضل أن يوزع العرب الإسرائيليون وزنهم السياسي بين الأحزاب الكبرى، بدلا من التركيز على الأحزاب العربية الفئوية، لكون زيادة الوزن السياسي تتطلب المشاركة الفعالة في مراكز قوة الأغلبية، وأنا في انتظار قيادات عربية رائدة تخترق صميم النظام الحزبي لتُغيّره من الداخل.

إن العرب الإسرائيليين مميز ضدهم فعلا في مجالات متعددة، ولهؤلاء العرب الذي يعانون الإجحاف والعنصرية والتمييز أقول: “لستم لوحدكم، فهناك جمهور غير صغير من اليهود المنحدرين من أصول شرقية يشعرون هم أيضا بالتمييز ضدهم. لقد تكون المجتمع الإسرائيلي من مجموعات قادمة مما يزيد عن مئة بلد، ويتكلمون ما يزيد عن سبعين لغة، وإنشاء مجتمع يملك قيما أساسية مشتركة يستوجب مسيرة تدوم عدة أجيال، وهي وإن لم تكن مسيرة متواصلة، إلا أنها مسيرة تمر بها إسرائيل رغم كل شيء.

ومهما كان فالعرب الإسرائيليون يخضعون لعملية اندماج في المجتمع اليهودي، وينفتحون على الجمهور اليهودي، وهم أكثر ثقافة مما كانوا عليه سابقا، وعملية اندماجهم في الاقتصاد الإسرائيلي تتوسع يوما بعد يوم، ونسبة تناسلهم أقرب من أي وقت مضى من نسبة تناسل السكان اليهود، كما أن مميزات الأسرة العربية تتغير تدريجيا.

ولكن يجب التأكيد على أن العرب الإسرائيليين ليسوا كتلة واحدة، فالعرب سكان المدن الكبرى المختلطة مثل اللد والرملة ويافا وحيفا وبئر السبع أكثر انفتاحا واهتماما بالعيش المشترك، فيما السكان البدو الذين يخدم بعض أبنائهم في جيش الدفاع الإسرائيلي يمرون بعملية عصرنة، وفي الوقت نفسه يختلف الشباب الدروز تمام الاختلاف عن أبناء الجيل السابق، حيث تدرس شابات درزيات كثيرات في معهد الهندسة التطبيقية “التخنيون” بحيفا مواد الهندسة والطب والتربية البدنية وغيرها من المواد التي لم يكن يخطر على بال قبل عشرين عاما فقط أن يمارسن مثل هذه المهن، كما أن الوسط العربي القروي يخضع للتغيير، وإن كان أكثر بطءً.

إن التخلص من براثن الفقر والتخلف يستلزم التكيف مع دنيا العولمة المعاصرة، والذي يتطلب بدوره تغيير أنماط التفكير والسلوك اليومي، وعلى العرب الإسرائيليين تكييف أنماط تفكيرهم مع الواقع العصري، بما في ذلك التمكين الشخصي والفئوي والتعامل مع البيئة المادية المتمثلة في منظر القرى والمدن ونظافتها، ولكن الأنماط الإدارية للسلطات المحلية العربية، بما فيها التصويت العائلي في انتخابات رئاسة المجالس البلدية، تبعد إمكان انتخاب قيادة فاعلة محترفة تهتم برفاهية السكان، كما أن تدني نسبة الجباية للضرائب البلدية في القرى العربية لا يتيح الاستثمار اللائق بالبنى التحتية والتربية والتعليم.

تمر دنيا العمل الحديث بتغييرات سريعة ناتجة عن سرعة توالي الثورات التكنولوجية، ما ينفي الحاجة إلى العديد من المهن القديمة لتحل محلها مهن جديدة، وعلى المجتمع العربي التهيؤ لذلك، وعلى الدولة بدورها رسم وتطبيق سياسة تنمية بعيدة المدى من أجل مواطنيها العرب، فالوسط العربي الإسرائيلي ذو طاقات اقتصادية هائلة لم يتم استغلالها بما فيه الكفاية حتى الآن، حيث يقدر الخبراء قيمة هذه الطاقات بما يزيد عن 25 مليار شيكل (نحو 6 مليارات من الدولارات). ولكن الأمر يتطلب تنمية الثروة البشرية في المجتمع العربي، ودمج الشباب العربي الجامعي في سوق العمل وتشجيع النساء العربيات على الالتحاق بهذه السوق.

من الواجب أن تعتمد العلاقات بين الوسطين اليهودي والعربي في إسرائيل على المساواة في الواجبات والحقوق، على غرار أي دولة أخرى، ومع ذلك فالوسط العربي جدير بالدعم والمؤازرة لمساواة مستواه المعيشي بمستوى معيشة المجتمع اليهودي، وهذه الأمور جميعا تستلزم تحقيق قفزة نحو الاندماج الحقيقي والمتكافئ للعرب في المجتمع الإسرائيلي، وهو تحرك ضروري لمستقبلنا المشترك وإيجاد أمة إسرائيلية.

الكاتب يعمل مديرا عام لمؤسسة بيت بيرل وشغل عدة مناصب ادارية هامة في اسرائيل

تعليقات