مناحيم بيجين – صانع سلام شجاع ومناضل سياسي عنيد

يعد مناحيم بيجين واحدا من أبرز مؤسسي دولة إسرائيل وإرساء دعائمها، وخاض الكثير من الحروب من أجلها. كما قاد المعارضة السياسية ثم الحكومة، لكنه يبقى بطل السلام

تمر هذه الأيام ذكرى زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات لإسرائيل وإلقائه خطابا تاريخيا في الكنيست الإسرائيلي، واجتماعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحيم بيجين، الذي يعد واحدا من أبرز الشخصيات السياسية اليهودية والإسرائيلية، والذي احتل مكانة مميزة في تاريخ الشرق الأوسط بعد توقيعه على أول اتفاقية سلام بين دولة إسرائيل ودولة عربية مجاورة عام 1979.

بداية النضال من أجل دولة إسرائيل

ولد مناحيم بيجين عام 1913 في مدينة “برست” التي كانت حينذاك تقع في بولندا. في طفولته تعلم بيجين في مدارس يهودية دينية ثم في مدرسة عبرية حديثة. في شبابه انضم إلى حركة “هاشومير هتساعير”، الشبابية الصهيونية التابعة لليسار، لكن بعد عدة سنوات انضم إلى حركة “بيتار” اليمينية والتي استوحت أفكارها من تعاليم زئيف جابوتينسكي حيث تعمق بيجين في هويته الصهيونية المشجعة على عودة اليهود إلى صهيون. وتدرج بيجين في صفوف الحركة الشبابية حتى أصبح قائدا شبابيا وتولى منصب رئيس حركة بيتار في بولندا، والتي ضمت عشرات آلاف الأعضاء والمؤيدين. كما ساهم بيجين في تنظيم وترتيب بعثات شبابية بهدف الهجرة إلى أرض إسرائيل، بالرغم من قيود البريطانيين الذين حددوا الهجرة اليهودية إلى البلاد في ذلك الحين.

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية نجح بيجين وعائلته في الهروب من بولندا إلى مدينة فيينيوس الليتوانية، حيث اعتُقل من قبل السلطات السوفييتية وخضع لتحقيقات قاسية كونه حركة بيتار في بولندا وتم إرساله إلى معسكر للأعمال الشاقة بتهمة “النشاط لأجل الاستعمار البريطاني”. قضى بيجين في السجن الروسي مدة عام تقريبا، ثم انضم إلى صفوف الجيش البولندي ليرسَل إلى أرض إسرائيل في إطار خدمته العسكرية.

بعد إنهاء الخدمة العسكرية انضم بيجين عام 1943 إلى المنظمة المسلحة “إيتسل” اليمينية، التي تولى رئاستها فيما بعد. وكانت المنظمة تهدف إلى حماية مواطني البلاد اليهود من اعتداءات العرب من ناحية، وإلى محاربة الانتداب البريطاني تمهيدا للاستقلال اليهودي من ناحية. وشهدت منظمة “إيتسل” بقيادة بيجين خلافات سياسية حادة مع منظمة “هاغانا” اليسارية بقيادة دافيد بن غوريون، الأمر الذي أدى إلى أزمات كبيرة بين اليسار واليمين اليهوديين قبل تأسيس دولة إسرائيل. كادت هذه الأزمات أن تؤدي إلى اندلاع حرب أهلية بين الجانبين عقب قضية السفينة “آلتلينا” في شهر يونيو 1948. وكانت “آلتلينا” تحمل على متنها 940 مهاجرا، بالإضافة للمعدات العسكرية لصالح الإتسل، فاتخذت ال”هاغانا” قرارا بقصفها قبالة شواطئ تل أبيب. وبالرغم من مقتل عدة مهاجرين وغرق السفينة، أصر بيجين على عدم الرد ومنع إطلاق النار باتجاه أفراد الـ”هاغانا”، داعيا لتجنب الحرب بين الأخوة.

قيادة المعارضة السياسية

بعد تأسيس دولة إسرائيل تولى حزب العمال اليساري الحكم لسنوات طويلة، في حين قاد بيجين المعارضة اليمينية من خلال حزب – حيروت (أي “الحرية”). ومن مواقفه البارزة كقائد للمعارضة في الكنبست، معارضته الشديد لما سمي بـ”اتفاقية التعويضات” التي وقعتها الحكومة الإسرائيلية مع ألمانيا الغربية عام 1952. ونصت الاتفاقية على دفع تعويضات هائلة للناجين من الهولوكوست ولدولة إسرائيل، لكن بيجين عارضها بشدة ونظم مظاهرات احتجاجية حاشدة ضدها وقال “إن الشرف القومي لن يباع بالأموال، وإن دماء الضحايا لن تغفر بالبضائع”.

انتصار ساحق في الإنتخابات العامة

عام 1977، وبعد مرور نحو 30 عاما على حكم اليسار في إسرائيل وبقائه في صفوف المعارضة ومثابرته بإصرار وعزم، فاز بيجين ولأول مرة في الانتخابات التشريعية بـ 43 مقعدا من أصل 120، فشكل الائتلاف الحكومي. وترأس بيجين حزب “الليكود” الذي تشكل من اتحاد عدة أحزاب يمينية صغيرة. وأطلق على هذا الفوز “مهاباخ” أي “التقلب”. وقد ساهم في تحقيق هذا الفوز الكبير شعبية بيجين ضمن جميع الفئات في إسرائيل – من اليهود الأشكناز والسفاراديم (الشرقيين)، ومواقفه الحازمة تجاه الأمن القومي في إسرائيل، ومحبته للتقليد اليهودي، وآراؤه الاقتصادية الحرة، والتي كانت عكس آراء ومواقف حزب العمال العلماني الاشتراكي.

معاهدة السلام مع مصر

برهن مناحيم بيجين كرئيس للحكومة عن تحليه بمسؤولية كبيرة تجاه دولة إسرائيل وشعبها وأنه جاهز للقيام بتنازلات كبيرة من أجل السلام مع الجيران. رغم أنه كان من مؤيدي فكرة “إسرائيل الكبرى”، لكنه أبدى تفهمه ورغبته في السلام مع الجارة مصر، التي كانت تشكل تهديدا لدولة إسرائيل منذ تأسيسها. وفي إطار المعاهدة الشهيرة الشجاعة أعاد بيجين شبه جزيرة سيناء للسيادة المصرية، مواجها انتقادات قاسية من حلفائه اليمينيين في الكنيست.

واستقبل بيجين في إسرائيل خلال المراحل التمهيدية للمعاهدة أول رئيس عربي في تاريخ دولة إسرائيل، الرئيس الراحل أنور السادات. الذي ألقى خطابا تاريخيا مؤثرا في الكنيست في الـ 20 من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1977. والذي ساهم مع بيجين بجرأتهما وشجاعتهما في التاسيس لتحول وتغير كبير في تاريخ الشرق الأوسط، من خلال توقيعهما على اتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل في مارس/ آذار عام 1979.

اعتزال السياسة والحياة العامة

استقال بيجين من رئاسة الحكومة الإسرائيلية عام 1983، واعتزل بعدها الحياة السياسية حتى وفاته في الـ 9 من مارس/ آذار عام 1992 في تل أبيب. في سنواته الأخيرة لم يوافق على المشاركة في حوارات صحفية ولا إجراء لقاءات شخصية معه، دون أن يفسر  أو يبرر ذلك! لكن يعتقد أن أسباب انعزاله ورفضه الظهور الإعلامي، هو حزنه على وفاة زوجته عليزا، وصعوبة مواجهة أعداد ضحايا الجيش الإسرائيلي في حرب لبنان الأولى عام 1982، وهي الحرب التي ساقها اريئيل شارون  في تغييب حقائق هامة عن بيجين وبالتالي سيطرة الحزن والاكتئاب عليه ومعاناته جراء ذلك.

وقد أوصى بيجين بعدم دفنه في جبل هرتسل إلى جانب باقي الرؤساء والمسؤولين الإسرائيليين الكبار، وإنما في جبل الزيتون بجانب زوجته.

ويبقى بيجين خالدا في ذاكرة الإسرائيليين وتاريخ دولة إسرائيل لعزمه وشجاعته في صنع السلام في المنطقة ومحبته لجميع فئات الشعب الإسرائيلي وتواضعه المتناهي.

حقوق الصورة البارزة: ميلنير موشى

تعليقات