قصة قناة البث الإسرائيلية الأولى – من المجد الى الأفول

لماذا انفجرت مذيعة قناة الأولى الإسرائيلية في البكاء اثناء البث المباشر؟ هذا المشهد يروي قصة القناة الإسرائيلية الأولى بين الريادة والانهيار التي تسببت في أزمة خطيرة في صفوف الائتلاف الحكومي بين وزير المالية ورئيس الوزراء فيما طوت 50 عاما من البث!

أوهاد مرلين / حصري للمغرد

طغت قصة إغلاق سلطة الإذاعة الإسرائيلية على المشهد الإخباري في إسرائيل مرة  أخرى في الأسبوع الأخير، سيما وانها تنقلت بين مد وجزر من حلول شتى، تم اقرارها والتراجع عنها لاسباب لا يفقهها المجتمع الإسرائيلي. تشمل سلطة البث قنوات راديو عديدة بضمنها صوت إسرائيل بالعربية بالإضافة إلى القناة التلفزيونية الأولى وقناة 33 بالعربية. جاء قرار الإغلاق على عجل في صدمة لجميع العاملين بعد نحو 49 عاما من العمل الصحفي.

وداعا لايام زمان

انتهى بثنا من أورشليم القدس، كانت هذه آخر نشرة “مابات”.

هكذا ختمت ميخال رابينوفيتش، آخر مقدمة نشرة اخبارية بالعبرية “مابات” على القناة الإسرائيلية الأولى، ثم انطلق جميع الموجودين في الاستوديو بتلاوة النشيد الوطني الإسرائيلي، “هاتكفاه”، في بث مباشر وهم يبكون وعلامات الحزن مرسومة على وجوههم:

تعود جذور سلطة البث إلى العام 1965 حيث مررت الحكومة الإسرائيلية قانون “سلطة الإذاعة” والذي نص على إقامة سلطة تحمل مسؤولية تنظيم قنوات الراديو وإقامة أول قناة تلفزيونية إسرائيلية. واعتبر ذلك القانون السلطة الجديدة سلطة “البث العام”، سلطة مستقلة غير حكومية على نمط ال بي بي سي البريطانية . لكن معظم ميزانيتها تغطيها الحكومة اضافة الى رسوم يدفعها المواطن على حيازة اجهزة البث. الزم القانون السلطة ببث برامج التربية والثقافة والترفيه والاقتصاد بالإضافة إلى النشرات الأخبارية مع مراعاة مصالح جميع الاطياف في المجتمع الإسرائيلي برمته. فلا عجب ان شملت البرامج عدة لغات: العربية والإنجليزية والفرنسية والامهارية والمغربية وغيرها!

دشنت السلطة الجديدة القناة التلفزيونية الأولى، التي بدأت البث ولأول مرة عام 1968 مع بثها لاحتفالات عيد الاستقلال الإسرائيلي الـ20 والعرض العسكري لجيش الدفاع الإسرائيلي.

بث زيارة السادات لاسرائيل:

وفعلا لبت القناة الأولى معظم الإلتزامات القانونية من حيث مستوى البرامج وتنوعها. وفي العام 1994 وقع رئيس الوزراء المرحوم إسحاق رابين على إقامة قناة جديدة تحت سلطة الإذاعة تبث باللغة العربية فقط ولساعات اطول، لخدمة الجمهور العربي الذي يشكل 20% من تعداد السكان.

مشاكل ادراية وفساد

لكن بالرغم من العمل الصحفي الدؤوب، فعلى مر العقود، واجهت سلطة البث تحديات عديدة. لكن سوء الإدارة واتفاقيات العمل التي تميز بين صحفي وفني واداري كانت سببا في اندلاع نزاعات عمل حول الأجور. ومما زاد الطين بلة، محاولة السياسيين التدخل في الاعتبارات الصحفية من ناحية وتشريع المنافسة التجارية التي كانت تبث برامج ترفيهية غالية الكلفة تمولها من الحملات الدعائية. اضف الى ذلك تم الكشف عن قضايا فساد في صفوف المسؤولين في السلطة وتعيين مقربين برواتب عالية. وتلقى مراقب الدولة شكاوى متكررة حول التمثيل غير العادل للمجتمعات المختلفة في إسرائيل وكيفية استيعاب الموظفين في ظل الشفافية المحدودة .

وأدت تلك الصعوبات إلى محاولات عدة للقيام بالإصلاحات ضمن سلطة الإذاعة كانت آخرها عام 2009، لكن في العام 2013 توجه وزير الإعلام حينذاك (ووزير الأمن الداخلي الحالي)، جلعاد إردان، إلى وكالة استشارية غير حكومية لأجل دراسة إمكانية إغلاق سلطة الإذاعة وإعادة وضع سلطة جديدة. وقدمت الوكالة توصياتها بإغلاق السلطة، وفي العام 2014 مررت الكنيست قانونا جديدا نص على إقامت سلطة إذاعة جديدة، تتمخض عن إقالة مئات موظفي السلطة القديمة بغية المساهمة في عمل ناجع. ودعم رئيس الوزراء نتنياهو هذه الخطوة حينذاك، لكن بعد انتخابات عام 2015 تراجع  نتنياهوعن قراره، مقابل دعم وزير المالية الحالي (ووزير الإعلام الأسبق)، موشيه كاحلون لفتح سلطة جديدة.

بث فوز إسرائيل على ميدالية في الالعاب الاولمبية:

خلاف سياسي ام مهني

بدا الخلاف سياسيا وليس مهنيا بين الشخصيتين مما زاد من حالة عدم الاستقرار في سلطة البث، كما خلق حالة من الإرباك لدى العاملين في السلطة بالنسبة لمستقبلهم. وتمخضت الخلافات السياسية عن صفقة لاستيعاب العديد من موظفي السلطة القديمة في صفوف السلطة الجديدة مع تأخر افتتاح السلطة الجديدة لمدة سنتين، الأمر الذي القى بظلاله على حياة مئات عائلات الموظفين في الجهازين القديم والحديث.

ولا شك ان السيناريو الاولي لتحويل العمل اكثر نجاعة واقل كلفة اتخذ منعطفا خطيرا مع محاولة الحكومة امتصاص الغضب عن طريق موافقتها على استعياب اكبر عدد ممكن من مستخدمي السلطة القديمة اضافة الى من تم استيعابه في السلطة الجديدة! هذا التطور اثر في مصداقية الهدف من الاصلاحات، ناهيك عن الاسلوب المتعجرف الذي تم به ابلاغ الموظفين عن انهاء العمل بعد ان هبط نجمه بعد سنوات تألق. فهل يحقق الجهاز الجديد النتائج المرجوة من  نجاعة وشفافية ومهنية؟

حقوق التصوير (الصورة البارزة) – TaBaZzz Wikimedia Commons

تعليقات