تحليل للأزمة القطرية من منظور إسرائيلي

إن حالة قطر مثل حالة الشاحنة التي توشك على التدهور إلى الهاوية، وبدل التوقف وإعادة احتساب مساراتها، تغمرها الثقة بأن الطريق مقبل على تغير وبأنها لو زودت نفسها بحزام أمان آخر، فإنه سيفيدها، فتظل سائرة في الطريق ذاته المفتوح على كل الاحتمالات

حصري للمغرد / ايلي افيدار 

قال رئيس الحكومة القطرية السابق حمد بن جاسم في مقابلة لإحدى الشبكات الأجنبية: “جئنا لحضور مؤتمر إقليمي لدول الخليج والدول العربية ولقاء الرئيس ترامب، فخرجنا منه بعقوبات فرضت علينا، ولا نفهم ماذا حدث وكيف تطور هذا الموضوع”، وهو في ذلك محق، فقطر لا تعلم إطلاقا ولم تكن مطلعة على الأمور. لقد خلقت سنو أوباما الثماني عند قطر الغطرسة والكبرياء والثقة المطلقة بأن أمريكا تحت أمرها. وأردف حمد بن جاسم ذاته يقول: “في حرب الخليج الثانية استضفنا جنودكم وأبَتْناهم وأطعمناهم…” في محاولة مكشوفة للتلاعب بمشاعر الامريكيين وكان من الممكن أن تنطلي على أوباما، ولكنها في عهد ترامب مضيعة للوقت، والأهم من ذلك أنها تدل على عدم استيعاب قطر للتغييرفي البيت الأبيض.

من المهم أن نوضح بما لا يقبل الشك: حين يدخل البيت الأبيض رئيس أمريكي جديد، فحتى لو كان أقوى رئيس أمريكي في التاريخ، سيستغرق تحويل سياسته إلى سياسة أمريكية بعض الوقت، وقد تمر شهور، بل قد تمضي سنة كاملة حتى تتكيف دوائر الحكم الأمريكية مع السياسة الجديدة. وينعكس هذا الأمر على قنوات الاتصالات للأطراف المعنية في الأزمة.

اولياء العهد في السياسة الخارجية

وهكذا أصبحنا في وضع يجري فيه تنسيق كامل بين ولي العهد السعودي والبيت الأبيض، فيما القطريون، وعبر وسطائهم وشركات الطاقة التي لها استثمارات في بلدانهم، تملك قناة مفتوحة تفضي إلى وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكيتين، وإذا لم يكن ذلك كافيا، فقد قامت قطر بأحد تحركاتها الأكثر غباء حين استدعت جنودا أتراكا إلى أراضيها، فعدا عن كون ذلك لن يفيد قطر بشيء، فهو سيدخل أردوغان في ورطة مع ترامب، وعلى رأي المثل البدوي “إذا ما حصلت اليوم بتحصل باجر”.

إن رفض قطر لخوض مفاوضات حقيقية لإعادة ترتيب علاقاتها مع الدول العربية يوجد حالة من لعبة المجموع الصفري التي تكون فيها أي نتيجة محتملة، فقد غير الجانب الأمريكي الجهة التي يدعمها من المحور الإيراني التركي القطري إلى المحور السعودي المصري، ما أدخل قطر في أعماق المحور الإيراني التركي، علما بأن الاختلاف الأهم يكمن في كون أوباما يرفض الإصغاء إلى المؤسسات الاستخبارية الأمريكية، بل رفض حتى الاطلاع على المواد التي أثبتت خطأ سياسته. وإذا كنتم تريدون مثالا على ذلك، فهو الدولة الإسلامية! لقد كان أوباما يعلم بأن الدولة الإسلامية لولا دعم تركيا لها، لما كانت قادرة على الصمود دون محاور مفتوحة بوجه الناشطين والعناصر، كما أن الدولة الإسلامية لم تكن قادرة لولا تجارة النفط والذهب على ترسيخ نموذج في الحكم يمول الرواتب ويستطيع جمع عشرات الآلاف من المتطوعين في إطار جهاز للحكم، بدليل أنه في اللحظة التي بات فيها المجتمع الدولي يتهم تركيا بدعم الدولة الإسلامية، وفور لجوء تركيا إلى تقليص مجال عمل الدولة الإسلامية، انهار نموذج حكم الدولة الإسلامية فأصبحنا نشاهد التفتت المتزايد يوما بعد يوم.

لقد راقبت المؤسسات الاستخبارية الأمريكية وتعرفت على مواقع النشاط الإيراني في تهريب الأسلحة والأموال إلى حزب الله وجميع أجنحته الإرهابية، فيما تمد إيران نفسها يدها لأي دولة تعيش فيها أقلية من الشيعة، وتوظف الأموال الطائلة في زعزعة الهدوء في تلك الدول، وهو ما يجري بوضوح في شرق السعودية وفي البحرين، ولكنه يجري أيضا في القارة الأفريقية، وفي سيرا ليون على سبيل المثال، حيث يتم إيفاد الأئمة الإيرانيين إليها مزودين بالمخصصات المالية اللازمة والنظريات البعيدة كل البعد عن السلام.

إلى أين يذهب كل ذلك بقطر؟ إن حالة قطر مثل حالة الشاحنة التي توشك على التدهور إلى الهاوية، وبدل التوقف وإعادة احتساب مساراتها، تغمرها الثقة بأن الطريق مقبل على تغير وبأنها لو زودت نفسها بحزام أمان آخر، فإنه سيفيدها، فتظل سائرة في الطريق ذاته المفتوح على كل الاحتمالات، سواء تمثلت بثورة داخلية تدعم الإخوان السعوديين وتحرر قطر من حكم أمير صغير السن أثبت خلال فترة قصيرة فشله في إدارة شؤون الإمارة، أو تمثلت في أية نتيجة أخرى تستطيعون أنتم التفكير فيها.

حقوق الصورة البارزة: ويكيمديا، البيت الأبيض

ايلي افيدار دبلوماسي سابقا شغل منصب مدير المكتب الإسرائيلي السابق في الدوحة من عام 1999 الى عام 2001

تعليقات