اسرائيل العدوة لم تقتل العرب!

الربيع العربي وضع خارطة جديدة للأعداء والحلفاء في المنطقة، والوعي العربي ما زال يراوح محاولا ان يتكيف مع الوضع الجديد

بعد 5 أعوام من جحيم ما عرف ب” الربيع العربي”، يعيد العرب ساسة ونخبا وشعوبا النظر في مواقفهم الاقليمية والعربية وحتى الدولية، وهم اليوم ينظرون بشك كبير الى العداء التاريخي العربي لإسرائيل الذي ورثوه من المدارس وأيدولوجيات الاحزاب، وفي خطب المساجد التحريضية.

حكام العرب ما برحوا يصنعون لأنفسهم اعداء يلهّون بهم شعوبهم في معارك وحروب خاسرة ليُبقوا على حالة الطوارئ وتعليق القوانين متيحين لأنفسهم النأي عن الحكم الدستوري البرلماني( حكم الشعب). وفي هذا السياق ظهر العداء لدولة اسرائيل، بل وسبقه العداء الشعبي لليهود والذي صنعه في الغالب ائمة مساجد وساسة كان يدورون في فلك الحركة  النازية مطلع القرن العشرين، وابرزهم عربيا، مفتي القدس أمين الحسيني، ورئيس وزراء العراق النازي الأسبق رشيد عالي الكيلاني وهو عراقي تركي الاصل .

بدأ العرب يراجعون انفسهم اليوم، ويكتشف المرء تفاصيل ذلك من خلال صفحات الاصدقاء فيسبوك و لينكداين وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت اهم منابر اعلامية وخبرية عربية ، فهناك تغيير ملموس في لهجة الخطاب العربي، والأهم هناك تغيير بيّن في الوعي العربي في المنطقة. وكما يبدو، فالعرب يرون ان اسرائيل لم تقتل منهم  قدر ما قتلت الأنظمة والأحزاب وحروب الجوار وحروب الحدود وحروب الشعوب وحروب المذاهب وحروب الاديان والحروب القومية.

الكرد على سبيل المثال يقولون علنا ” إسرائيل ليست عدو كردستان، اسرائيل دولة صديقة ويمكن ان تكون حليفا بقليل من الجهد الدبلوماسي”.

اسرائيل لم تقتل عراقيا مدنيا واحدا رغم سبعين عاما من الحرب المعلنة

العراقيون ومنذ عام 2003، باتوا عرضة للهجمة العربية المدمرة التي تقتّلهم وتهجّرهم وتشرّدهم وتلعنهم بوصفهم خارجين عن السرب العروبي وعملاء لأمريكا والغرب ولايران الشيعية الصفوية. ومنذ ذلك التاريخ تغيرت مشاعر العراقيين ووعيهم، وهم يقارنون حجم الاذى الذي لحق بهم من العرب والمسلمين بالاذى الذي لحق بهم من اسرائيل. ساسة العراق الحاليون لا يجرؤن ان يعلنوا موقفهم الداعي الى التطبيع مع اسرائيل خوفا من التيار القومي ومن ايران وتركيا التي تضغط باتجاه وضعهم تحت مظلتها، ولكن نائبا في البرلمان الحالي كتب على صفحة فيسبوك الشخصية الخاصة به:  “منذ عام 1948 وحتى عام 2015، قتلت اسرائيل من العراقيين 147 جنديا، كلهم عسكريون، ولم تقتل مدنيا واحدا، فيما قتل العرب والدواعش في يوم واحد فقط عام 2014 في قاعدة سبايكر الجوية 1750 مدنيا عراقيا رميا بالرصاص ودفنوهم في حفر جماعية او القوا بجثثهم في الماء. لماذا يجب ان نعتبر اسرائيل عدونا التاريخي؟ هل نفعل ذلك ارضاء لإيران وتكريا؟ ولماذا تعتبر ايران وتركيا إسرائيل عدوهما التاريخي وهما اللتان لم تطلق عليهما اسرائيل طلقة واحدة؟ يجب ان نغير ذلك ونستقل بموقفنا السياسي عن هاتين الجارتين المتسلطتين؟ ” .

النائب السابق مثال الالوسي متحدثا في البرلمان العراقي دفاعا عن موقفه ومشاركته في مؤتمر مكافحة الارهاب في اسرائيل عام 2006. نتيجة الزيارة فقد الالوسي اثنين من ابنائه قتلهما الارهابيون في بغداد بعد الزيارة، واوقفت عضويته في مجلس النواب .

مصر تسال لماذا نبدل حماس بإسرائيل؟ ما جدوى ذلك؟

المشهد في مصر تغيّر بسرعة اكبر، فمنذ أن خرّب مصر الربيع العربي ومنذ تمكن الاخوان من تسلق هرم السلطة ومنذ ان اوقف زحف الاسلاميين الفريق عبد الفتاح السيسي، بات الشارع المصري يسأل، ما جدوى التحالفات مع الفصائل السياسية الفلسطينية وهي الساعية دائما الى تحريك التيارات السلفية والاخوان في مصر ضد ارادة شعبها؟ ولماذا يجب ان نتمسك بالنهج القومي الناصري الفاشل ونعادي اسرائيل ونعلن الحرب عليها، وهي التي لم تعلن يوما عداءها لشعب مصر؟ اذا كانت هناك مشاكل بين الساسة العرب وشعوبهم ويريدون حلها عن طريق خلق حرب وهمية مع اسرائيل، فإن شعب مصر لا يعاني من مشكلة مع حكومته، ولا نريد حربا مع اسرائيل بالذات وهي التي لم تؤذ شعبنا ” .

الأردن تربطه معاهدة سلام مع اسرائيل

منذ ان هدأت الجبهة الاردنية مع اسرائيل عام 1973، حرصت الاردن على خلق اجواء سلام عامة مع الدولة العبرية، وانتهى ذلك الى توقيع معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية أو ما يشار إليه باسم معاهدة وادي عربة التي وقعت بين إسرائيل والأردن على الحدود الفاصلة بين الدولتين والمارة بوادي عربة في 26 أكتوبر 1994 م.

وتشير موسوعة ويكبيديا الشعبية الى أنّ هذه المعاهدة قد طبّعت العلاقات بين البلدين وتناولت النزاعات الحدودية بينهما. وترتبط هذه المعاهدة مباشرة بالجهود المبذولة في عملية السلام بين إسرائيل و منظمة التحرير الفلسطينية. بتوقيع هذه المعاهدة أصبحت الأردن ثاني دولة عربية -بعد مصر- وثالث جهة عربية بعد مصر ومنظمة التحرير الفلسطينية تطبع علاقاتها مع إسرائيل.

وصادق وزير الخارجية الإسرائيلي، سيلفان شالوم قبل اسابيع على خطة سيحصل بموجبها مئات العمال الأردنيين على تصاريح عمل وسيعملون في فنادق بإيلات. وفق البرنامج الذي تمت بلورته، سيحصل العمال الأردنيون على تصريح عمل يومي وسيعودون إلى منازلهم في الأردن في نهاية كل يوم.

ورغم ان الاردن ارض خصبة جدا للتيارات السلفية والاسلاموية المحرضة على اسرائيل والداعية الى الغاء المعاهدة معها، فأن حكومة المملكة الاردنية بقيت حريصة على ان تحافظ على نهج السلام مع الدولة العبرية. وعلاوة على التبادل الدبلوماسي الرسمي بين البلدين فهناك مكاتب تجارية واعلامية وصحفية عديدة تنظّم العلاقات بين البلدين.

هالة صدقي تعكس الموقف الشعبي المصري من اسرائيل.

تونس الخضراء لا ترى في اسرائيل عدوا

النخب السياسية في تونس هي في الغالب تربية الحبيب بورقيبة العلمانية الليبرالية الديمقراطية، وهل لم تعتبر قط أن اسرائيل عدوها التاريخي الذي يجب محقه والقاؤه في البحر. وانتقل هذا النوع من الوعي الى الشارع التونسي الذي يعاني من قلة اسلاموية سلفية تحاول ان تخلط الاوراق حاليا لتوقف عجلة التغيير الديمقراطي اللبرالي. هذه القلة لا تجد صدى واسعا لها، لذا هي تتمسح بمواقف سياسية اعلانية لحشد دعم تركي واسلامي سني وراءها بدعوى تحرير القدس من اليهود، والفلسطينيون انفسهم يسعون منذ عقود بإلحاح لتقاسم السلطة مع الاسرائيليين لوضع حد لنزاع قام اغلبه بناء على اهواء حكان عرب فاسدون.

جنوب السودان

تحافظ دولة جنوب السودان الفتية منذ قيامها على علاقات طيبة مع اسرائيل ساعية الى توظيف التطور التقني والسبق العلمي الاسرائيلي لخلق تنمية سريعة في البلد الفقير. وما برح ساسة هذا البلد يعلنون انهم ليسوا في حالة حرب مع اسرائيل، وفي حلٍّ من التزامات جامعة الدول العربية.

السعودية قد توفد الأمير الوليد بن طلال لتطبيع العلاقات مع اسرائيل!

تناقلت بعض الصحف الاسرائيلية خبرا مفاده ان الأمير السعودي الوليد بن طلال سيزور اسرائيل وقد سمحت له السلطات بالصلاة في المسجد الأقصى ويرجّح ان يتم ذلك – حسب المصادر الاسرائيلية-  خلال شهر رمضان الجاري.

شقيق الأمير الوليد بن طلال نفى ما تم تداولته بعض الصحف الاسرائيلية عن زيارة يعتزم أن يقوم بها شقيقه لإسرائيل والصلاة في الأقصى . وحتى اذا لم تجر الزيارة، فإن علاقات البلدين( اسرائيل والمملكة العربية السعودية ) تمر بمناخ دافئ ملفت للنظر يقوي صلاته العداء الذي يجمعهما ضد ايران.

باختصار، الربيع العربي وضع خارطة جديدة للأعداء والحلفاء في المنطقة، والوعي العربي ما زال يراوح محاولا ان يتكيف مع الوضع الجديد.

الصورة: فليكر Diariocritico de Venezuela

تعليقات