المجتمع الحريدي – انغلاق واختلاف مع المجتمع والدولة الإسرائيلية

رغم مرور نحو سبعين عاما على قيام دولة إسرائيل، لاتزال هناك مجموعات دينية متزمتة مثل الحريديم ترفض الاعتراف بسلطة الدولة والخضوع لقوانينها أو تأدية الخدمة العسكرية!

أثارت مجموعة صغيرة من المجتمع الحريدي اليهودي المتدين المتزمت، تسمى بـ”هابيليج هايروشالمي” أي “الفصيل الأورشليمي” بالعبرية، ضجة كبيرة في الشارع الإسرائيلي بعد محاولة أتباعها عرقلة الطرق الرئيسية في العاصمة أورشليم وفي مدن أخرى احتجاجا على اعتقال العشرات من المنتمين إليها. واندلعت تلك الاحتجاجات العنيفة للفصيل الأورشليمي عقب اعتقال عشرات من أتباع الفصيل بعد رفضهم الوصول إلى مكاتب التجنيد التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي، انسجاما مع رفضهم التام للقيام بأي نشاطات من شأنها الاعتراف بشرعية سيادة القانون الإسرائيلي العلماني، حسب رأيهم، وبحقها في الوجود كدولة يهودية. وتشير تلك التظاهرات الغاضبة إلى الاختلافات الأساسية القائمة بين فكر الحركة الصهيونية ورؤية بعض المجتمعات اليهودية المتزمتة في جميع أرجاء العالم، بما فيها الجالية الموجودة في إسرائيل.

المعارضة الدينية للصهيونية

بالعودة إلى المؤتمر الصهيوني العالمي الأول والذي انعقد في مدينة بازل السويسرية عام 1897، والذي دعا فيه “مفكر الدولة اليهودية” بنيامين زئيف ثيودور هرتسل، ممثلي اليهود من جميع أنحاء العالم للمشاركة في نقاشات هدفت إلى تحريك النشاط والعمل من أجل الوصول إلى بناء دولة قومية للشعب اليهودي.

لكن رغم الحماس الكبير الذي غمر قلوب المندوبين اليهود لإقامة دولة يهودية، كانت هناك مجموعة من اليهود المتدينين المتزمتين عارضت وبشدة فكرة إقامة مثل هذه الدولة العصرية للشعب اليهودي على أسس علمانية حديثة. ولم تكن معارضة المتدينين المتزمتين لفكرة إقامة الدولة، رفضا للاستقرار في الأرض المقدسة، بل بسبب آرائهم الدينية الرافضة للوصول إلى أرض الميعاد بشكل يتحدي رؤية الخلاص والمسيح اليهودية من جانب، إضافة إلى خوفهم من محاولة الحركة القومية الصهيونية استهداف طبيعة الديانة اليهودية وإدخال تغييرات كبيرة الحجم عليها. ونشر العديد من الحاخامين في تلك الأيام كتبا ومنشورات عارضت وبكل شدة فكرة الحركة الصهيونية.

وجدير بالذكر أن الرؤية السائدة بين اليهود الحاريديم بالنسبة للعودة إلى صهيون شملت وعلى الأغلب أفكارا إعجازية ارتبطت برؤية “التحريمات الثلاثة” الدارجة في التلمود، ماسيخيت كتوبوت 110: “قال الحاخام يوسي بار حنينا: ما هي التحريمات الثلاثة (التي حرمها الرب)؟ هي ألا يهاجر بنو إسرائيل إلى أرض الميعاد بدون موافقة الشعوب، وألا يتمرد بنو إسرائيل على الأمم، وألا تستعبد شعوب العالم بني إسرائيل بشكل مفرط”.

وجعلت تلك الفقرة المجتمعات المتزمتة تحاول أن تتجنب أي محاولة “طبيعية” لحث الخلاص المدوي والروحاني لشعب إسرائيل، مقتنعين بأن الخلاص  يجب أن يأتي بشكل إعجازي من قبل الرب!

التأييد الديني والبراغماتي للصهيونية

لكن بالرغم من الإجماع الذي ساد بين صفوف المتزمتين بالنسبة لمعارضة الحركة الصهيونية ومساعيها، كانت هناك مجموعة صغيرة من المتدينين الذين أيدوا فكرة العودة الشعبية إلى صهيون، من أبرزهم الحاخام أفراهام يتسحاق هاكوهين كوك، الذي رأى أن تأسيس دولة قومية للشعب اليهودي يحمل في طياته براعم من الوعد الإلهي بالعودة إلى صهيون. لذا تعاون وبكل سعادة وفخر مع الفئات العلمانية من الشعب لأجل تحقيق هذا الحلم الكبير، رغم محاولات المقاطعة من قبل عدة فعاليات حريدية بارزة. هذه الرؤية تمثل وحتى أيامنا هذه الرؤية السائدة لدى المجتمع الصهيوني – الديني (داتي ليئومي) في إسرائيل.

أما المؤيد الديني الثاني للصهيونية فكان الحاخام يتسحاق يعاقوب راينس مؤسس حركة “هامزراحي” (اختصار للكلمات العبرية “المركز الروحاني”) التي دمجت الطموحات القومية مع الالتزام بالشريعة اليهودية (الهلاخا)، والذي أعلن عن دعمه البراغماتي (غير الأيديولوجي) لفكرة الصهيونية بسبب الصعوبات والاضطهادات الذي تعرض له اليهود بشكل عام في جميع أرجاء العالم.

وأدى التأييد الديني من بعض المجموعات إلى نوع من الانفتاح على فكرة الصهيونية من جانب عدة مجتمعات حاريدية، ما أسفر عن موافقة بعض الشخصيات الحريدية البارزة على مساعدة الحركة الصهيونية للنجاح في مساعيها لإقامة الدولة اليهودية.

وفعلا مع إقامة الدولة شاركت عدة فئات حريدية في صفوف جيش الدفاع الإسرائيلي الجديد، وحتى وافقت على لعب دور سياسي مهم جدا في إطار الكنيست- البرلمان الإسرائيلي، حيث يشغل اليوم حزبان حريديان 13 مقعدا من أصل 120 مقعدا.

الاختلافات في أيامنا

لكن مع كل ذلك تبقى هناك نقاط خلاف كثيرة بين الأحزاب الحريدية والجماهير في إسرائيل، خاصة فيما يتعلق بقضايا الدين والدولة، والإعفاء من الخدمة العسكرية الذي يتلقاه الحريديم، وتماسك أعداد كبيرة منهم بتعليم التوراة بدلا من الخروج إلى سوق العمل، الأمر الذي يسبب فقرا مدقعا في ذلك المجتمع المتزمت.

والمجتمع الحريدي منقسم بشكل كبير داخل نفسه، بين الحاسيديم والليتائيم، وبين السفارديم والأشكنازيم، وكل فئة تنقسم إلى فئات عديدة إضافية. ومثل ما ذكرنا أعلاه، ليس كل الحاريديم يعارضون الدولة اليهودية مثل الفصيل الأورشليمي من جانب، لكن ليس كلهم مخلصون للدولة من جانب آخر. والمظاهرات العنيفة الأخيرة ذكرتنا بأن الخلافات في أوساط المجتمع اليهودي كبيرة، وعادة ما تكون خلافات شديدة جدا. هل هناك من يستطيع حلها؟!

 

تعليقات