ساريت حداد في بغداد: أساس مدني للتعاون مع العراق

على خلاف التعامل في الدول العربية الأخرى، لا يقتصر اهتمام العراقيين بإسرائيل على الجانب السياسي، بل يتعداه إلى الجوانب الثقافية والدينية أيضا، وإلى بعض جوانب الحياة اليومية في إسرائيل

د. رونين زايدل*

يعتبر حفل تخريج طلاب قسم اللغة العبرية في جامعة بغداد، أحد أفضل الاحتفالات في الحرم الجامعي. في العالم 2010، عندما وصل الاحتفال إلى ذروته، صعدت خريجة القسم إلى المسرح وقامت بتحميس الجمهور الذي شمل طلابا من القسم ومن أقسام أخرى، بغنائها لساريت حداد. تشير هذه الخطوة الجريئة والطريقة التي تم استقبالها بها، إلى تغيير مثير للإهتمام في التعامل مع إسرائيل في العراق.

منذ ذلك الحين، ازداد بصورة كبيرة عدد العراقيين الذين يتواصلون مع إسرائيليين، بالأساس عن طريق الشبكات الاجتماعية. من ضمن عدّة أمور أخرى، أنشأ بعض المتصفحين العراقيين صفحة فيسبوك تحت عنوان “سفارة عراقية افتراضية في إسرائيل”. تقول وزارة الخارجية الإسرائيلية من جهتها، إن نحو ثلث متابعي موقع الوزارة باللغة العربية (نحو نصف مليون) هم عراقيون، وفي الغالب يعربون عن مواقف إيجابية وودودة تجاه إسرائيل. لأجلهم، افتتحت وزارة الخارجية مؤخرا صفحة فيسبوك خاصة تحمل اسم “إسرائيل باللهجة العراقية”، والتي حظيت، بمجرد إطلاقها، بتعامل إيجابي جدا واهتمام كبير في العراق. كذلك، يدير عدد من الإسرائيليين المهتمين – ولأجل توخي الشفافية تجدر الإشارة إلى أن كاتب هذه المقالة من ضمنهم- علاقات يومية مع اًصدقاء كثر من مختلف أنحاء العراق.

يتضح من توزيع المشاركين العراقيين بالحوارات التي تدور على صفحة وزارة الخارجية بالعربية، أن غالبية المشاركين هم من الشباب المثقفين بعمر 18 حتى 35 عاما (فئة عمرية تشكل نحو 70 بالمئة من سكان العراق، ويسكن ثلثها تقريبا في بغداد). لا يخشون التعريف عن أنفسهم بأسمائهم الحقيقية وصورهم، ويمثلون كافة المجموعات السكانية العراقية: شيعة، سنة، أكراد، مسيحيون وغيرهم. في العادة، ينشط هؤلاء الشباب سياسيا واجتماعيا، ويشكلون العمود الفقري لطبقة المثقفين العراقيين. لقد توصلوا إلى الاهتمام بإسرائيل والإسرائيليين من خلال الاهتمام بالماضي اليهودي في العراق أو من منطلق الانجذاب بشكل ما إلى النموذج الديمقراطي والليبيرالي الذي تمثله إسرائيل. مؤخرا، بدأ يزداد مستوى دعمهم لإسرائيل، وذلك على خلفية العداء لإيران أيضا. تختلف مواقفهم بالنسبة للموضوع الإسرائيلي، بصورة واضحة، عما هو متعارف عليه في مختلف أنحاء المنطقة العربية.

على خلاف التعامل في الدول العربية الأخرى، لا يقتصر اهتمام العراقيين بإسرائيل على الجانب السياسي، بل يتعداه إلى الجوانب الثقافية والدينية أيضا، وإلى بعض جوانب الحياة اليومية في إسرائيل. يعبر الكثير من العراقيين، علنا، عن رغبتهم بزيارة إسرائيل، لكن عندما يحاولون تنفيذ ذلك، نرى أنهم يواجهون قسوة قلب المؤسسة الإسرائيلية، وعادة ما يتم ردهم خائبين. تكثر صفحتا وزارة الخارجية باللغة العربية من نشر المقالات غير السياسية، التي تلقي الضوء على الكينونة الإسرائيلية من مختلف الزوايا، والتي تثير الكثير من الاهتمام لدى المستخدمين العراقيين. أحيانا، تبدو المعلومات التي يمتلكها الشبان العراقيون بشأن إسرائيل مفاجئة جدا، كما يتجسد ذلك من خلال الشعبية التي تحظى بها ساريت حداد.

من الصعب أن نحدد إذا ما كانت الظاهرة تقتصر على الشبكات الاجتماعية أم أنه سيكون لها في المستقبل تجسيد سياسي. يشكل الشبان العراقيون المثقفون الذين نتحدث عنهم فئة مؤثرة على جدول الأعمال السياسي والثقافي، وتشكيل الرأي العام. في الانتخابات التي جرت مؤخرا في العراق، وقف الكثيرون منهم وراء حركة المقاطعة، وقام آخرون بالتصويت بالأساس لأحزاب الصدر والعبادي أو للأحزاب الأًصغر التي تتواجد على هامش المعسكر الوطني العراقي والمعادي لإيران.

لسبب ما، لم تكتشف إسرائيل الرسمية العراق بعد، كبرى الدول العربية من الشرق. العراق هي مُصدّر النفط الثاني في العالم، بعد العربية السعودية، وإمكانيات التجارة الكامنة معها كثيرة جدا. تحتاج العراق، التي تمر بسيرورات من إعادة التأهيل والإعمار، إلى المساعدة في مجالات البنى التحتية، المصارف، الري، الزراعة، الاتصالات وغيرها. كما تحتاج إلى المساعدة غير المباشرة في تحسين مكانتها الائتمانية وتشجيع الاستثمارات. كذلك، من شأن المساعدة الاستخباراتية في مجال محاربة الإرهاب أن تكون مقبولة على الرحب والسعة هناك. في هذا المجال، اكتسبت العراق خبرة ومهارة كبيرتين خلال السنوات الماضية.

بخلاف الاعتقاد السائد، فإن الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني يحظى بأهمية ثانوية فحسب في تشكيل الموقف الرسمي العراقي تجاه إسرائيل. الجمهور العراقي شديد الحياد في ما يتعلق بالمعاناة الفلسطينية، وتدعم العراق مبادرة السلام العربية، التي تنادي باعتراف إسرائيلي بدولة فلسطينية في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، تكون القدس الشرقية عاصمتها، ولا تعترف بسلطة حماس في غزة.

في هذه الأيام، التي تدخل العراق فيها إلى إجراءات إقامة التحالف التي ستشلّ المنظومة السياسية لفترة ما، يجب التفكير في كيفية التقرب من هذه الدولة المركزية. ففي حين تنشغل القيادات العراقية بشؤونها، وتبتعد عن الشأن الإسرائيلي، يناقش الشباب والمثقفون الموضوع بصورة علنية، شجاعة ومنفتحة. في علاقاتها مع الدول العربية، اعتادت إسرائيل التركيز على إنشاء العلاقات مع القيادات السياسية، وفي بعض الأحيان حتى مع شخص واحد فقط من بين قادتها، في طريقها إلى إقامة علاقات. هكذا، باختصار، تم التوصل إلى اتفاقيات السلام مع مصر والأردن، وهذه هي أيضا – إلى حد كبير – قصة عملية أوسلو مع الفلسطينيين. تم إهمال الطبقة الوسطى المثقفة في الدول العربية، ونتيجة لذلك، تنكرت هذه الفئة للعملية السياسية ولإسرائيل. تتيح العراق إمكانية تجربة سيرورة مختلفة تبدأ من الطبقة المثقفة وتسمح بتليين قلوب أوساط واسعة ومؤثرة قبل بداية التقارب السياسي الرسمي بين الدول. من شأن هذه السيرورة المختلفة أن تضع الأسس الراسخة للعلاقات المستقبلية.

*د. رونين زايدل هو باحث مخضرم في الشؤون العراقية، في مركز ديان التابع لجامعة تل أبيب، وزميل بحث في معهد ميتفيم للسياسة الخارجية – الإقليمية. تعتمد هذه المقالة، التي تم نشرها في موقع واينت، على دراسة للعلاقات الإسرائيلية-العراقية، قام بإعدادها زايدل.

تعليقات