وعد بلفور: تعايش سلمي وتحقيق الطموحات اليهودية والعربية

بعد مئة عام من الاعتراف الدولي بحق الشعب اليهودي في تقرير المصير داخل وطنه أرض إسرائيل، لا يزال الجانب الفلسطيني يروج للحرب

محمد حبيب

على مر العصور الغابرة ظل الشعب اليهودي يحلم بالعودة الى وطنه الأم، حيث كانت مملكتاه شامختين في ارض إسرائيل قبل خراب بيت المقدس والسبي البابلي مرتين؛ مرة في عام597 ق.م.،والمرة الثانية في عام 586 ق.م. وظل يهود الشتات يرددون في صلواتهم الدعاء بالعودة، على سبيل المثال في عيد الفصح والإحتفال بالخروج من مصر: “في السنة القادمة في اورشليم”.

غير ان تلاقح التطلع الى تجديد الوطن مع الظروف التي كانت سائدة على الحلبة الدولية بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى هو الذي ولد وعد بلفور في الثاني من نفومبر ،1917. يؤيد وعد بلفور (على اسم وزير الخارجية البريطاني) تأسيس وطن للشعب اليهودي في أرض إسرائيل. ويعبر عن اعتراف الحكومة البريطانية ودعمها لحق الشعب اليهودي غير القابل للنقض في تقرير المصير في وطنه التاريخي.

توافق دولي على وطن قومي لليهود

وتجدر الإشارة الى أن بريطانيا كانت جزءا من اجماع دولي واسع يدعم الصهيونية وطموحات الشعب في ارض فلسطين، في إعادة بناء استقلاله وسيادته على أرض إسرائيل، علما بأن بريطانيا كانت قد نسقت إصدار وعد بلفور مع حليفاتها. إذ أصدرت الحكومة الفرنسية، ممثلة بوزير خارجيتها جول كامبون، رسالة تبنت فيها القضية الصهيونية،  فيما أبلغ الرئيس الأمريكي ويلسون البريطانيين بموافقته على خطتهم بإصدار إعلان يؤيد الحركة القومية للشعب اليهودي، ثم قال الشيء نفسه في العلن خلال شهر آب / أغسطس 1918. وقد أسس ويلسون  سياسته على المبدأ الجديد الذي أدخله في العلاقات الدولية، وهو حق الشعوب في تقرير المصير. وانضمت ايطاليا لاحقا  في عام 1918 حيث قطعت على نفسها وعدا بالعمل على تسهيل تأسيس مركز قومي يهودي. والتحقت بهذا الركب لاحقا اليابان  والصين وسيام (تايلند) إلى متبني الطموحات الصهيونية.

غير ان ما اكسب وقد بلفور مكانته التاريخية هو انه صدر لاحقا في 1922 عن عصبة الأمم*،  ما يمثل اعترافا رسميا من المجتمع الدولي بالحركة الوطنية اليهودية، ما قاد إلى استقلال إسرائيل في 14 أيار / مايو 1948، وقبولها في عضوية الأمم المتحدة في 11 أيار / مايو 1949، باعتبارها الدولة العضو التاسعة والخمسين في المنظمة الدولية. وهكذا، وبعد ما يقارب الألفي عام من الشوق والحنين أعاد الشعب اليهودي بناء موطنه وسيادته على أرض إسرائيل. كان وعد بلفور قد اعترف لا بحقوق الشعب اليهودي غير القابلة للنقض وحسب، بل نص على أن “عدم فعل ما من شأنه الإخلال بالحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين”. وفعلا لم يستبعد وعد بلفور حقوق وحريات السكان العرب.

يد إسرائيل ممدودة للعرب والسلام

كانت القيادة اليهودية في عهد وعد بلفور وفي عهدنا هذا على السواء تسعى للتعاون مع جيرانها العرب. وكان حاييم فايتسمان، ممثلا للمنظمة الصهيونية العالمية، والأمير فيصل، من أبرز القادة العرب، قد وقعا اتفاقا سنة 1919 للعمل سوية على تحقيق طموحات اليهود وعرب المنطقة على حد سواء.  غير ان معادلة الصفر التي تبناها الجانب العربي قوضت الحلم اليهودي بالتعايش مع جيرانه العرب وبقيت سياسة الإستبعاد سيدة الموقف. وبمزيد من الاسف بقي هذا الموقف يئد محاولات السلام سيما على خلفية اعلان للرئيس الفلسطيني محمود عباس عن اعتزامه رفع دعوى على بريطانيا لإصدارها وعد بلفور. وان دل هذا الرفض لوعد بلفور على شيئ فإنه يدل على الموقف اللا تاريخي القائل بأن اليهود دخلاء على هذه الارض وانكار  صلتهم بها وحقهم في العيش هنا كشعب. ويلقى هذا الموقف الرافض صدى مدويا في تغريدة  للبعثة الدبلوماسية الفلسطينية في كولومبيا قبل أيام معدودة، استشهدت فيها بمقولة ياسر عرفات “لا نريد السلام، بل نريد الحرب والنصر”.  ونحن نقول عكس ذلك نريد فقط السلام والعيش بجانب الجوار بأمن وحرية وكرامة لنا ولهم.

*عصبة الأمم تحولت فيما بعد الى منظمة الأمم المتحدة

حقوق الصور البارزة: ويكيمديا

تعليقات