التطهير العرقي ليهود الدول العربية في ظل النزاع العربي الإسرائيلي

على المجتمع الدولي العمل على توطين اللاجئين الفلسطينيين في أماكن سكناهم الحالية، مثلما تم توطين اليهود القادمين من الدول العربية في إسرائيل. ومن الواجب السعي لدفع التعويضات ليهود الدول العربية عن الممتلكات الكثيرة التي تركوها وراءهم

بقلم: تسفي جباي

طوال ثلاثة آلاف عام تقريبا سبقت تأسيس دولة إسرائيل، عاش آلاف اليهود في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بعد وصولهم إلى هاتين المنطقتين إثر نفي سكان الممالك الإسرائيلية إلى أشور وبابل (وهي عراق أيامنا) خلال القرنين الثامن والسادس قبل الميلاد، والنفي إلى بابل بعد خراب الهيكل الأول (586 ق.م.) وبعد خراب الهيكل الثاني على أيدي الرومان (سنة 70م.). وقد رسخ اليهود المنفيون جذورهم وجذور طوائفهم خلال فترة قصيرة، ففي بابل أسّسوا مدارس تلمودية، في مدن نهاردعا وسورا وبومبديتا، حيث سطروا صفحات التلمود البابلي الذي أصبح مدونة أخلاقية هامة لكافة اليهود وفي مختلف جالياتهم المنتشرة في المنطقة والمزدهرة، وذلك قبل صدر الإسلام في القرن السابع.

وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية، تم تقسيم المنطقة إلى عدة دول، ونال العرب الاستقلال من السلطات الاستعمارية البريطانية والفرنسية والإيطالية. وكانت العربية السعودية واليمن أول دولتين نالتا الاستقلال سنة 1918، فيما كانت الجزائر آخر دولة حظيت بالاستقلال سنة 1960. وكانت تعيش في جميع الدول العربية الجديدة تقريبا جاليات يهودية، وقد أخذ العرب بعد حصولهم على الاستقلال يحكمون الطوق حول الأقليات غير الإسلامية، وخاصة الأقلية اليهودية، إذ كان القادة العرب المشبعون بالروح القومية الموالية للنازية يشكّون في أنهم غير موالين لهم، بل موالين للغرب. وفي ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي فرضت السلطات على الطوائف اليهودية قيودا ونواهي جعلت حياتهم قاسية. وعندما هرب مفتي القدس الحاج أمين الحسيني حليف النازيين من البريطانيين في فلسطين ووصل إلى بغداد، ازداد العداء نحو اليهود، حيث استقبلته السلطات وأوساط واسعة ضمن المجتمع العراقي بشديد الحماس، ليبدأ الحسيني بالتعاون مع السفير النازي في بغداد د. فريتز غروبي على نشر الدعايات النازية، ثم توجه إلى ألمانيا حيث عينه هتلر مسؤولا عن الدعاية النازية التي كانت تبثها إذاعة برلين باللغة العربية، أملا في تطبيق “الحل النهائي” على يهود الدول العربية أيضا، بمن فيهم يهود فلسطين. وقد تمكنت ألمانيا النازية من اكتساب نفوذ ملحوظ في الشرق الأوسط، حيث عملت بالإضافة إلى نشاطها المكثف في العراق، في مصر بواسطة منظمة “الإخوان المسلمين” المتأسّسة سنة 1928 والتي تضمنت أيديولوجيتها كراهية اليهود. وقد تبنت حركة حماس في غزة، وهي فرع من فروع الإخوان المسلمين، أيديولوجية الإخوان، كما ينعكس ذلك في تصريحات زعمائها.

كان النازيون في العادة يعملون على صعيدين، أحدهما تدمير الجاليات اليهودية في أوروبا، والآخر وبالتزامن، إطلاق الدعاية المغذية للنزعات القومية المتطرفة في جميع الدول العربية، والتي كان من ضمن أهدافها ضرب الطوائف اليهودية في كل من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وحين حققت الحركة الصهيونية ما حققته من إنجازات، ومنها بالتحديد اتخاذ قرار الأمم المتحدة حول تقسيم فلسطين إلى دولتين، إحداهما يهودية والأخرى عربية، وذلك في 29 تشرين الثاني / نوفمبر 1949، انطلقت موجة من الضربات الشديدة التي انهمرت على اليهود المقيمين في الدول العربية. وخلال إجراء الأمم المتحدة لمناقشاتها هدد المندوبون العرب، ومنهم المندوب المصري هيكل باشا، ووزير الخارجية العراقية فاضل الجمالي، وجمال الحسيني عضو “الهيئة الإسلامية العليا في فلسطين”، بأنه لو تم تقسيم فلسطين إلى دولتين، فإن خطر الموت سيحوم فوق الطوائف اليهودية في بلدانهم. وفعلا، وبعد تبني قرار التقسيم وإعلان تأسيس دولة إسرائيل في 14 أيار / مايو 1948، تعرض المجتمع اليهودي في فلسطين، ثم في دولة إسرائيل لحرب باتت تطغى على أخبار التنكيل الشديد باليهود في الدول العربية.

وتلبية لنداء اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية (في بلدة صوفر اللبنانية خلال شهر أيلول / سبتمبر 1947)، وتهديدات أمين عام الجامعة العربية عزام باشا بأنه إذا قامت الدولة اليهودية، سيتعرض يهود الدول العربية لمجزرة مماثلة “لمجازر المغول”، بدأت حملة مكثفة لضرب اليهود في الدول العربية، تضمنت التهديدات وأعمال النهب وحرق الممتلكات والرجم بالحجارة والضرب والشغب، انتهت بموت المئات من اليهود، كما انطلقت المظاهرات الكبيرة في المدن الرئيسية، والتي أطلق المشتركون فيها هتاف “فلسطين بلادنا واليهود كلابنا”. وحيال خطورة الموقف، بدأت الطوائف اليهودية، عبر الحركات الصهيونية التي كانت تعمل في الخفاء داخل الدول العربية، البحث عن مخرج ووسائل للفرار من الدول التي ظلوا يعيشون فيها لآلاف السنين. وبعد إقامة دولة إسرائيل، أصبحت هي الملاذ الطبيعي لعشرات الآلاف من اليهود الهاربين من الدول العربية.

أعمال القتل والنهب والطرد

كانت الأعمال العدوانية بحق اليهود العراقيين قد بدأت قبل سنين من قرار الأمم المتحدة القاضي بتقسيم فلسطين، ففي 1 حزيران / يونيو 1941، ارتكبت الجماهير المحرضة بوحي من الدعاية النازية مجازر رهيبة بحق اليهود، ولا سيما في بغداد، حيث قتل 179 يهوديا وجرح الكثيرون وتعرضت ممتلكات كثيرة للنهب. وقد أحدثت هذه المجازر والمعروفة “بالفرهود” (وهي كلمة كردية تعني المجازر العنيفة) أزمة عميقة داخل الطائفة اليهودية، والتي فقدت ثقتها بالحكم العراقي. وظلت الاعتداءات على اليهود تستمر بل تزداد شدة خلال الحرب العربية الإسرائيلية سنة 1948، حيث تعرض الكثيرون للحبس، بل كان منهم من تعرض للإعدام، من ضمنهم التاجر الثري شفيق عدس الذي اتهم بدون أي دليل بالولاء للشيوعية والصهيونية (بيع الأسلحة لإسرائيل). وخوفا على أنفسهم بدأ اليهود يهربون من العراق، ما حدا في نهاية الأمر بالحكومة إلى سن قانون في 2 آذار / مارس 1950 يسمح لليهود بمغادرة الدولة شريطة تخليهم عن الجنسية العراقية. وقد انتهز 104 آلاف من اليهود هذه الفرصة لمغادرة العراق، حيث تنازلوا عن جنسيتهم. وبعد سنة صدر تشريع آخر “لتجميد” (أي مصادرة) ممتلكاتهم. وإزاء هذا الواقع الأليم غادر اليهود أرض العراق متوجهين إلى إسرائيل. وبعد عدة سنوات، غادر اليهود المتبقون العراق بفعل العذاب الذي تعرضوا له على أيدي صدام حسين، وعلى هذا النحو انتهى عهد الطائفة اليهودية التي بلغ تعدادها 150 ألف نسمة بعد فترة طويلة في بابل.

أما في مصر، فقد خرجت المظاهرات ضد اليهود في 2 تشرين الثاني / نوفمبر 1945، وكانت ذكرى وعد بالفور، وأيضا سنة انضمام مصر إلى الجامعة العربية. وفي 15 أيار / مايو 1948، وكان موعد انتهاء الانتداب البريطاني في فلسطين، تعرض العديد من يهود القاهرة للاعتقال، ونهبت ممتلكات كثيرة وأصيب كنيس بأضرار وقتل ما يزيد عن 20 من أبناء الطائفة اليهودية. ولكن أشد الضربات التي تكبدها يهود مصر جاءت في أواخر عام 1956، وبعد “حملة سيناء”، عندما طردت أعداد منهم من مصر. أما المتبقون فتعرضوا للاعتقال خلال حرب الأيام الستة عام 1967، وصودرت ممتلكاتهم. وبعد توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979 لم يكن قد بقي سوى بضع عشرات من اليهود في القاهرة والإسكندرية، فيما لا يزال يعيش عدد يحصى على أصابع اليد الواحدة من كبار السن اليهود، فكانت نهاية الطائفة اليهودية في مصر والتي كانت تضم فيما مضى 90 ألف نسمة.

وفي اليمن عاش اليهود منذ طردهم من الحجاز في القرن السابع، ليتعرضوا طوال قرون للتعذيب والتمييز الشديدين من لدن الحكم الإسلامي. وكان عدد اليهود في اليمن قد بلغ سنة 1945 نحو 60 ألف نسمة، وحين ساءت أحوالهم، لاذوا بالفرار إلى عدن والتي كانت خاضعة للحكم البريطاني آنذاك، آملين في التوجه منها إلى أرض اجدادهم، ولكن البريطانيين رفضوا منحهم تأشيرات الخروج. وفي مطلع كانون الثاني / يناير 1947، وإثر اتخاذ قرار التقسيم، نشبت اضطرابات ومشاغبات أودت بحياة حوالي 100 يهودي. وبعد إعلان استقلال دولة إسرائيل سمح البريطانيون لليهود بالمغادرة إلى إسرائيل. أما اليوم فلم يبق في اليمن سوى بضع مئات من اليهود، وهم أساسا من أعادهم إليه اليهود المتزمتون “الحريديم” من الولايات المتحدة. وفي ليبيا، وأسوة بمصر، أصبح اليهود يقيمون منذ القرن الأول للميلاد، حيث بلغ عددهم سنة 1945 نحو 40 ألف نسمة. وحين تحررت ليبيا من الاحتلال الإيطالي والحكم الألماني في أوائل سنة 1943، اغتنم المسلمون الفرصة، قبيل سيطرة القوات البريطانية على البلاد، للاعتداء على اليهود وقتل حوالي أربعين منهم. وبين الخامس والسابع من تشرين الثاني / نوفمبر 1945 قتلت الجماهير بعد تحريضها على اليهود 130 يهوديا وأضرمت النيران في عدد من الكنس اليهودية. وفي حزيران / يونيو 1967 تكررت المشاغبات والاعتداءات ليقع ضحيتها 18 قتيلا يهوديا، وهي المشاغبات التي وضعت حدا لتواجد اليهود في تلك البلاد. وفي سوريا كان يقيم سنة 1945 نحو 30 ألف يهودي، معظمهم في دمشق وحلب. وبعد اتخاذ قرار التقسيم الأممي انطلقت أعمال الشغب والعنف، ليسقط عدد كبير من اليهود بين قتيل وجريح، فيما تعرض الكنيس العتيق للحرق. وبعد حرب الأيام الستة بات اليهود يبحثون عن سبل الفرار، وتعرض من بقي منهم في سوريا للحبس. ولكارثية الأوضاع التي كانت تسود سوريا لم يبق فيها يهود. وفي لبنان ظل نحو 20 ألف من اليهود يعيشون في ظروف معقولة حتى سنة 1958. ولكن بعد نشوب الحرب الأهلية سنة 1975 بات اليهود يخشون البقاء، فغادروا البلاد، وتوجه معظمهم إلى إسرائيل.

ظل المغرب والذي لم ينل استقلاله من الحكم الفرنسي إلا في العام 1956، وطنا لما يزيد عن 300 ألف يهودي. وخلال شهر حزيران / يونيو من عام 1948 تعرض اليهود لمجزرة في مدينتي وجدة وجرادة شمال شرق المغرب، حيث قتل العشرات منهم، ومن ضمنهم الحاخام الزعيم الروحي لجالية جرادة وأبناء أسرته، ونهبت الممتلكات بكميات كبيرة واضطر آلاف اليهود للهروب إلى الجزائر. أما اليوم فيعيش في المغرب بضع مئات من اليهود. وحين حصلت الجزائر على استقلالها سنة 1960، بلغ تعداد الطائفة اليهودية 140 ألف نسمة، وكانوا ينعمون بظروف جيدة ما دام الفرنسيون يحكمون البلاد، ولكنها ساءت حين انتقلت السلطة إلى العرب، فغادر اليهود. أما في تونس، فبلغ عدد اليهود 105 آلاف يهودي، ولكن عند انتقال الحكم إلى العرب، غادر معظم اليهود البلاد رغم أجواء التسامح التي بقيت تسود تونس. أما اليوم فما زال نحو 2000 من اليهود يعيشون في تونس.

وقد بلغ مجموع عدد اليهود الذين كانوا يعيشون في الدول العربية عند تأسيس دولة إسرائيل عام 1948، 900 ألف شخص وقعوا خلال حرب 1948 ضحية للتمييز والتحريض والتعرض والإصابة، إذ باتوا ضحية للنزاع العربي الإسرائيلي. ولم يبق اليوم في رحاب المنطقة العربية سوى بضع مئات من اليهود، غالبيتهم في المغرب وتونس، ولا يختلف اثنان على أن ذلك يعتبر “تطهيرا عرقيا” لليهود في الدول العربية.

نهاية الشتات

ترك يهود البلدان العربية الذين أجبروا على مغادرة منازلهم من ورائهم أملاكهم الكثيرة الخاصة منها والعامة. وقد غادر بعضهم بشكل منظم، فيما تم اعتقال بعض آخر وإعدامهم. وقد وصل معظمهم إلى إسرائيل باعتبارهم لاجئين معدمين، واضطروا إلى عيش حياة صعبة في خيم ومنازل خشبية مهترئة طيلة سنين. لقد كان خروج اليهود من الدول العربية حدثا صادما، ولكن هذه الكارثة تكاد تكون طواها النسيان، فيما كارثة اللاجئين الفلسطينيين الذين هاجروا إلى الدول العربية بتعليمات من زعمائهم، تحرص الدول العربية على تأبيدها وتكريسها، تدعمها في ذلك عدة منظمات دولية. لقد اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة ما يزيد عن مئة قرار وإعلان داعم للاجئين الفلسطينيين، بل أنشأت من أجلهم فور توقيع اتفاقيات الهدنة بين إسرائيل والدول العربية في أوائل عام 1949، مؤسسة خاصة بهم، هي وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين العرب وتشغيلهم – الأونروا، والتي قدمت لها مخصصات طائلة، رغم كون عدد اليهود الذين غادروا الدول العربية يفوق عدد اللاجئين الفلسطينيين. هذا الموقف المنحاز قد أذكى الدعاية العربية ضد إسرائيل، ليزيد النزاع الإسرائيلي الفلسطيني حدة. وفي صيف العام 2014 سنت الكنيست الإسرائيلية قانونا حددت فيه يوم 30 من تشرين الثاني / نوفمبر من كل عام، ذكرى لخروج اليهود من الدول العربية وطردهم منها، علما بأن هذا التاريخ يلي تاريخ 29 تشرين الثاني / نوفمبر الذي كانت الأمم المتحدة تبنت فيه قرار تقسيم البلاد إلى دولتين. وبتخصيصها ذكرى للكوارث التي عاشتها الجاليات اليهودية، والتي أهملت قصتها حتى الآن، كانت إسرائيل اتخذت خطوة هامة سياسيا وإعلاميا على السواء. ولمزيد الأسف لا يعرف إلا القليلون تاريخ الجاليات اليهودية التي عاشت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وما قاسته من معاناة، وما تركته ورائها من ممتلكات، وما قدمته من تضحيات للخلاص بأرواحها والوصول إلى الدولة الوحيدة التي فتحت لهم أبوابها، وهي دولة إسرائيل. لقد كان الأمريكيون من اكترثوا قبل غيرهم لقضية اللاجئين اليهود من الدول العربية وممتلكاتهم المصادرة، حيث اتخذ الكونغرس الأمريكي في 1 أبريل / نيسان 2008 بالإجماع قراره رقم 185 والذي دعا فيه الرئيس الأمريكي إلى تضمين أي مفاوضات لحل النزاع الشرق أوسطي قضية يهود الدول العرب وممتلكاتهم المصادرة. وفي المقابل، كان الإهمال سيد الموقف لسنين وسنين فيما يتعلق بهذه القضية (كما يشهد بذلك تقرير مراقب الدولة الصادر في 5.2.2014)، وذلك رغم كون وجوب الاهتمام بقضية الممتلكات قد نص عليه قانون كانت الكنيست قد سنته عام 2010 وبمبادرة من عضو الكنيست السابق نسيم زئيف. أما قضية اللاجئين العرب وحقوقهم في نطاق “حق العودة” فتتصدر الأجندات الدولية، منعكسة بالمظاهرات والندوات وعرض الأفلام في دور السينما والنوادي السينمائية.

اللاجئون العرب واللاجئون اليهود

هناك من يتساءل عن علاقة العرب الفلسطينيين بقضية اليهود القادمين من البلدان العربية وأملاكهم. لنذكّر، إذن، من نسوا، بأن تأسيس دولة إسرائيل قد واكبته كارثتان إنسانيتان كبريان، أولاهما اجتثاث الجاليات اليهودية وبكل قسوة من أماكنها بعد أن عاشت فيها لآلاف السنين، والأخرى هي “النكبة”، أي هزيمة العرب في حربهم على إسرائيل سنة 1948 ومغادرة آلاف اللاجئين الملبّين لنداء الجامعة العربية، إلى الدول العربية، وليس ثمة من مبرر لمناقشة إحدى الكارثتين وإهمال ذكر الأخرى، ففي الوقت الذي استمرت فيه معاناة اليهود القادمين من الدول العربية لسنين معدودة، وخلال إقامتهم في الخيم والمنازل الخشبية المهترئة، ما زال العرب الفلسطينيون يعيشون في ظروف مزرية، وليس ثمة ما يبرر حرمان يهود الدول العربية من التعويض عن ممتلكاتهم الخاصة والعامة التي بقيت في الدول العربية، فالعدل يجب أن يتحقق.

ومن الواجب أن نذكر ونذكّر بأن العرب الفلسطينيين هم من رفضوا اقتراح الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني / نوفمبر 1947، وهم الذين شنوا الحرب على إسرائيل وقاتلوا المجتمع اليهودي مع إخوانهم العرب، وان القادة ضللوا أبناء شعوبهم بوعدهم إياها بالحصول على “كل فلسطين”. لقد أشعل القادة العرب الفلسطينيون، وعلى رأسهم المفتي الحاج أمين الحسيني، لهيب الحرب في الشرق الأوسط بكامله مستدرجين إخوانهم إلى اللجوء الذي يتواصل حتى يومنا هذا، وهم من يرفضون توطين اللاجئين في الدول التي استقروا فيها، وعلى هذا النحو يطيلون تعاستهم ومعاناتهم، وباسم عقيدة تقول بأن إعادة تأهيلهم ستستفيد منها إسرائيل.

حل مشكلة اللاجئين

ينص قانون الاحتفال بذكرى الخروج والطرد لعام 2014 على قيام وزير التربية والتعليم بدعم الفعاليات التربوية المتعلقة بهذه الذكرى تعظيما لتراث يهود الدول العربية، فيما يوجه وزير الخارجية بإطلاق أنشطة وفعاليات من خلال السفارات والقنصليات ومكاتب التمثيل الإسرائيلية في الخارج لزيادة المجتمع الدولي وعيا بالموضوع، على أن تعمل وزيرة المساواة الاجتماعية على تكريس تراث يهود الدول العربية وإيران، ما يتمثل في المناسبات التي تقام سنويا في أورشليم القدس. ومن المهم الإشارة إلى أن كون اليهود قد وصلوا إلى إسرائيل لدوافع صهيونية يجب ألا ينال من وضعهم كلاجئين. لقد اعترف المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سنة 1975 بوضع اللاجئ الذي يتمتع به اليهود الذين أجبروا على مغادرة الدول العربية، وذلك عملا بميثاق الأمم المتحدة. أما إسرائيل، فلم تبادر بجهد حقيقي لنفي ما ينسب إليها من أنها أوجدت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، ولم تمنع إقامة المظاهرات العنيفة دعما لهم، رغم أن قرار الأمم المتحدة رقم 194 المتخذ عام 1948 لم يحملها مسؤولية المشكلة. إن تاريخ الشرق الأوسط ليس منافسة بين كارثتين، سواء كانت “نكبة” أو “تبادلا سكانيا” بين اليهود والعرب، ورغم ذلك، فلا مبرر للاهتمام بمعاناة طرف هو اللاجئون العرب الفلسطينيون، دون قضية لجوء الطرف الآخر، وهو الطرف اليهودي، ومن الواجب على إسرائيل إطلاع العالم على صورة اللجوء في الشرق الأوسط كاملة بكل أبعادها وجوانبها.

كان الرئيس الأمريكي السابق بيل كلنتون قد اقترح سنة 2000 أنشاء صندوق دولي لتعويض العرب الفلسطينيين ويهود الدول العربية على حد سواء، وفي أماكن سكناهم الحالية. وحاز اقتراح كلنتون على تأييد مجلس النواب الأمريكي، متمثلا بالقرار 185 (المشار إليه أعلاه). ومن المحتمل أن يلقى تأسيس الصندوق الدعم من الجهات الدولية، ومن الواجب على دول العالم أن تتوقف عن دعم عملية إدامة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وأن تدعم بدلا من ذلك عملية توطينهم حيث يقيمون حاليا، وبناء على نموذج توطين اللاجئين اليهود من الدول العربية والذين وصلوا إلى إسرائيل خلال الخمسينات، علما بأن التبادل السكاني في أعقاب الحروب والنزاعات العرقية ظاهرة معهودة (مثلما تم بين تركيا واليونان عقب الحرب العالمية الأولى، وبين ألمانيا وبولندا وتشيكوسلوفاكيا عقب الحرب العالمية الثانية، وبين الهند والباكستان عقب الحرب بينهما)، ساعدت في معظم الحالات على تحقيق الهدوء والسلام بين الأطراف المتنازعة. وبمثل هذه الروح يجب الانصراف إلى قضية توطين اللاجئين الفلسطينيين في الأماكن التي يعيشون فيها حاليا، مع دفع التعويضات لهم عما تركوه في إسرائيل من ممتلكات، ولكنه من الواجب، وفي الوقت نفسه، الاعتراف بحقوق يهود الدول العربية في تلقي التعويض عن الممتلكات التي تركوها في الدول العربية، باعتبار مثل هذا الاعتراف ضرورة لإيجاد حل عادل للمأساة الإنسانية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط.

نشر المقال في مجلة الأمة بالعبرية. حقوق التصوير: JIMENA.

تسفي جباي – نائب المدير العام في وزارة الخارجية الإسرائيلية سابقا

 

تعليقات