ال”حالاه” – الخبز “اليهودي” المضفور ذو الجذور التوراتية

على الرغم من أن سيرة هذا الخبز واردة في التلمود والتوراة، فإن في عصرنا هذا اكتسب هذا الخبز مدلولات اجتماعية. تعرف على هذا الخبز الذي تجده في أيامنا هذه حتى في المخابز المقدسية

أوهاد مرلين / حصري للمغرد

يُروى أنه قبل 2000 سنة، عاش في الجليل حاخام يهودي اسمه حنانيا بن دوسا. وكان الحاخام حنانيا فقيراُ جدا، لدرجة أنه كان يعيش على الخروب هو وامرأته، غير ان حاله هذا لم يؤهر ابدا على استعداده لمساعدة الآخرين والصلاة لأجلهم.

وكانت زوجة الحاخام تغار من جاراتها اللواتي تطبخن خبز “الحالاة” في أيام الجمعة عشية يوم السبت، أقدس أيام الأسبوع. وكانت الجارات تتحدثن عنها وعن بيتها وحالتها الصعبة بغطرسة يفوح منها الشر والإزدراء بسبب فقرها وعدم قدرتها على تحضير الخبز.

ومن شدة الخجل، أدخلت زوجة الحاخام في إحدى المرات لوحا خشبيا للفرن لتوليد الدخان ومحاكاة شواء الخبز في بيتها. ورأت إحدى الجارات الشريرات الدخان وقالت لنفسها: “مستحيل أن تقوم زوجة الحاخام حنانيا بالخبز! لأذهب ولأرى ماذا يحدث هناك” وفي نيتها الغدرة ان تحرجها أمام الجيران.

ثم دخلت الجارة لبيت الحاخام حنينا وبدأت تستفز زوجة الحاخام قائلة: “استعجلي فالخبزعلى وشك  أن يحترق!” لكنها تفاجأت عندما رأت أن الفرن مليء بأرغفة خبز الحالاة الحلوة الجميلة! بطبيعة الحال زوجة الحاخام تفاجأت هي الأخرى من هذه المعجزة لكنها لم تُضع دقيقة واحدة وأخرجت الحالاة من الفرن. ثم توجهت بالصلاة للرب وشكرته جزيل الشكر لهذه المساعدة ولتجنب هذا الإحراج المحتمل.

وردت سيرة هذه القصة في التلمود البابلي (كتاب “تعانيت”: 25) تعكس عناية الرب بالأبرار والمحسنين. لكن إضافة الى هذه العبرة، فإن خبز الحالاه هو حاضر على المائدة اليهودية وله أبعاد دينية عديدة واجتماعية.

الحالاه رمز تاريخي قديم

هل رأيتم مرة الخبز المضفور “الحالاة” الذي يستخدمه اليهود في طقوسهم؟

أصبح خبز الحالاه رمزا لليهود وطقوسهم فيتم تناوله في الموائد الاحتفالية خلال أيام السبت والأعياد. وقبل بداية الوليمة يوضع رغيفان من خبز الحالاة على لوحة خاصة مزينة وهما مغطيان بالحرير أو القماش المزين، إشارة إلى المنّ الذي كان بنو إسرائيل يأكلونه في الصحراء، والذي كان ينزل ،وفقا للتقاليد، مغطى من تحته و فوقه بطبقة من الندى السماوي.

bread-732276_640

أما الرغيفان، فعددهما يشير إلى قطعتي المن اللتين كان بنو إسرائيل يجمعونهما في أيام الجمعة تمهيدا ليوم السبت (خلافا لقطعة واحدة في باقي أيام الأسبوع)، كما يشير إلى الأمرين المركزيين الذين أمِر بهم بني إسرائيل بالنسبة ليوم السبت:

“اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ” (سفر الخروج 20)،

“اِحْفَظْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ” (سفر التثنية 5).

وبعد قيام طقس ال”كيدوش” (“التقديس”، وهو “براخا” أو دعاء تمجيد للرب بمناسبة الأعياد وأيام السبت) يتم قطع الحالاه وإضافة القليل من الملح على كل قطعة، ثم توزع القطع بين المشاركين بالوليمة لتلاوة صلاة الشكر للرب على نعمته. ويعتبر الملح رمزا لإحياء ذكرى القرابين التي كان بني إسرائيل يقدمونها للهيكل وهي مملحة.

ويلاحظ في السنوات الأخيرة ان مخابز مقدسية تبنت خبز الحالاه التي تسوق طوال أيام السنة وبالأخص في شهر رمضان المبارك.

جذور الاسم “حالاه”

أصل الاسم “حالاه” ليس واضحا لكن هناك عدة تخمينات منها أنها مشتقة من  كلمة “حالول” العبرية التي تعني “مجوف”. تفسيرات إضافية تشير إلى أن أصل الاسم من جذر ح.و.ل الذي يشير بالعبرية (مثل العربية) إلى صورة الخبز المدوّرة. كما هناك حتى من يقول أن أصله من كلمة “حلو” باعتبار ان هذا الخبز حلو المذاق.

وعلى اية حال ، فإن كلمة “حالاه” مذكورة حتى في التوراة ، حيث يرد ذكرها في إطار القرابين والمنح النباتية التي كان بنو إسرائيل يقدمونها للرب في الهيكل. ويقول سفر العدد (الاصحاح ال15):

وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: مَتَى دَخَلْتُمُ الأَرْضَ الَّتِي أَنَا آتٍ بِكُمْ إِلَيْهَا، فَعِنْدَمَا تَأْكُلُونَ مِنْ خُبْزِ الأَرْضِ تَرْفَعُونَ رَفِيعَةً لِلرَّبِّ. أَوَّلَ عَجِينِكُمْ “الحَالَاه” تَرْفَعُونَ قُرْصًا رَفِيعَةً، كَرَفِيعَةِ الْبَيْدَرِ هكَذَا تَرْفَعُونَهُ.

وكان بنو إسرائيل يتبرعون بقطعة من العجين خلال  شواء الخبز لأجل الكهنة والهيكل والرب. وهذا العمل يعود لأسباب مختلفة، بما فيها أن يتذكر اليهود أن كل ما لديهم ليس ملكا خاصا بهم بل يرجع للرب الذي أعطاهم إياه. كما  أن التبرع بالخبز للكهنة يشير للعلاقات الاخوية التي تجمع الفئات المختلفة من الشعب.

20160609_210140

وعلى الرغم من أهمية هذا التقليد ، فليس هناك تعليمات خاصة في الشريعة اليهودية (الهلاخاه) بإفراز كمية معينة من العجين خلال اعداد الخبز، إحياءً لذكرى تلك المنحة. وترى الديانة اليهودية أن رصد قطعة صغيرة من العجين جانباً، هو رمزٌ من شأنه تقوية الإيمان بالرب وتقديس اسمه، لدرجة أن تناول الحالاة التي لم يتم افراز قطعة منها مسبقا – ممنوعٌ!

وشاع في السنوات الأخيرة عقد الحفلات التي تحمل عنوان “هافرشاة حالاه” اي فرز قطعة من عجين الحالاه ويتم تلاوة صلاة مضمونها شكر الرب على عطائه للإنسان وطلب الغفران.

الصورة البارزة من ويكيمديا (Aviv Hod)

تعليقات