العربية تستحوذ على الموسيقى الإسرائيلية‎

باتت اللغة والموسيقى العربية جزءاً لا يتجزأ من الحضارة اليهودية الشرقية في إسرائيل. وتتمتع الموسيقى العربية بجمهور كبير من محبّيها حيث تعزف في القاعات الثقافية أو الحفلات التي يقيمها “الهيبسترز” في يافا ووسط تل أبيب

إذا كانت العربية، بالنظرة التاريخية، جزءاً أساسياً من عالم الحفلات ومشاهد الهوامش الاجتماعية في إسرائيل، فإنها أصبحت خلال السنوات الأخيرة تحتلّ مكانتها لدى التيارات الفنية المُهَيْمِنة أيضاً، حيث يتمثل الأمر بدمج النصوص والألحان العربية في أغانٍ واسعة الشعبية.

وكان المغني الناجح جورج بار، الذي ما زالت أغانيه تتألق في الحفلات والأعراس، قد قرر الهجرة إلى أستراليا بعد مضي عدة سنوات على انطلاقته الفنية في إسرائيل. وقال بار في حديث لموقع “والا” الاسرائيلي : “لقد أخذتُ الأغاني [العربية] وجعلتها تتوافق مع الذوق الموسيقي الإسرائيلي”.

وكان بار قد قدم إضافة هامة أخرى للمشهد الموسيقي العربي- الشرقي في البلاد كونه أول من بدأ باستخدام الدربوكة في العروض التي كان يقدمها في مختلف النوادي، حيث تحدث عن هذه التجربة بالقول: “لقد أدخلتُ الدربوكة لأول مرة في العروض خلال فترة النوادي حيث كان الجمهور متحمساً لها. وقد زرتُ مصر وأحضرت الدربوكة منها، ذلك لأنّ استخدامها في العروض لم يكن أمراً معتاداً قبل ذلك بل كان يجري استخدام الطبول فقط”.

لابد أن نذكّر هنا أنّ والدي المغني جورج بار قدما من شتات لبنان وبولندا هو من مواليد يافا في ستينات القرن الماضي. وتحدث بار عن الجذور المُلهمة لموسيقاه قائلاً: “كنا نسكن في شقة فوق كنيس، ما جعلني أتأثر كثيراً بالألحان والتراتيل في الكنيس. كما أن والدي كان صاحب مطعم في يافا كان يقع بمحاذاة لكل النوادي الموسيقية”.

وقد عاد بار العام الماضي إلى إسرائيل واتخذ من حي هار حوما جنوب شرق أورشليم القدس مسكناً له ثم استأنف تسجيل الأغاني وتقديم العروض. وحول تصوره عن وطنه إسرائيل قال بار: “إنني لا أحب السياسة وأعرّف هويتي على أنني إسرائيلي مسيحي. إنني إسرائيلي بكل معنى الكلمة وأنتمي إلى هذا المكان وأحبّ الأجواء السائدة في البلاد حتى بوجود جوانبها السلبية”.

“النوع الموسيقي الشرقي أكثر انفتاحاً من غيره”

ونبقى في عالم الغناء، فنذكر أن مطربات عدة من الوسطيْن العربي والدرزي كنّ قد حققن نجاحا حتى قبل الاختراق الهام الذي حققته الموسيقى الشرقية باتجاه التيارات الفنية الرئيسية في مطلع الألفية الثانية. وكانت أبرز هؤلاء المطربات الدرزية أصالة يوسف من بلدة دالية الكرمل القريبة من حيفا وكذلك نيفين المسلمة اليافاوية. ولا يزال الجمهور يذكر أصالة يوسف بسبب أغانيها  المشهورة مثل “جندي حرس الحدود” و”ملكة القلوب” إضافة إلى أغنية “إذا كنتِ عزباء” التي سجلتها مع المطرب اليهودي الشهير كوبي بيرتس.

وقد شملت فعاليات مهرجان “مقدَّسة” الذي أقيم في أورشليم القدس في سبتمبر أيلول 2016 عشرات العروض الفنية. وشهد أحد أبرز تلك العروض التعاون الاستثنائي بين المطربة العربية المسلمة نسرين قادري وبين المطرب زيف يحزقيل المنتمي إلى طائفة اليهود المتشددين دينياً (الحريديم).

الصحفي حغاي أوزان الذي يقوم أيضاً بدور المدير الشخصي لنسرين قادري تحدث عن الانفتاح الكبير لدى جمهور محبي الموسيقى الشرقية: “إن الموسيقى الشرقية تخلو عملياً من أي حواجز وتقبل بالتالي الموسيقى العربية التي تشكل جزءاً لا يتجزأ منها. مهما بدا الأمر محكوماً بالآراء النمطية المسبقة، على اعتبار أن جمهور المستمعين يتألف خصيصاً من ذوي الأصول اليهودية الشرقية المؤيدين للأحزاب اليمينية، فإنّ هذا النوع الموسيقي يتميز بالتعددية المدهشة التي تستوعب الجميع، ما يجعل النوع الموسيقي الشرقي أكثر انفتاحاً من غيره”.

الغناء العبرو-عربي جسر حقيقي للسلام

بدوره تحدث الإعلامي رون كاحليلي، الذي يجري أبحاثاً لاستقصاء ملامح الحضارة اليهودية الشرقية في إسرائيل، عن التغيرات العميقة التي طرأت على الجمهور اليميني الشرقي المحلي: “إن الجمهور الشرقي الذي يُعتبر بمثابة اللحم والشحم للتيار اليميني في إسرائيل، يمرّ حالياً بمرحلة راديكالية، إذ يتم التعامل مع الفنانين العرب وإضفاء الشرعية عليهم بصفتهم جزءاً من الحضارة اليهودية الشرقية. وهناك عدد متزايد من المطربين اليهود الشرقيين، ومنهم أسماء بارزة مثل المطربة ساريت حداد، الذين يقومون بتسجيل أغانٍ بالعربية دون الشعور بأي خجل. وعليه يثبت اليهود الشرقيون أنهم أصبحوا عملياً، وليس كلامياً، جسراً للسلام لا يمتدّ في جنيف [باعتبارها مقراً لمؤسسات الأمم المتحدة] بل هنا في إسرائيل ذاتها”.

كما يوجد تأريخ طويل للمطربين الدروز مع الموسيقى الشرقية في إسرائيل. إذ كان أبرزهم الفتى المعجزة مايك شريف الذي تألق نجمه بفضل أغنيته واسعة الشعبية “بسبوسة”. كما تأهل ثلاثة مطربين دروز وهم إيهاب عطيلة ولؤي وغيداء أبو عواد إلى المراحل المتقدمة من المنافسة الغنائية المتلفزة ضمن برنامج اكتشاف المواهب “إيال غولان يناديكم..”، لا بل تأهلت غيداء أبو عواد إلى المرحلة النهائية من المنافسة.

الفن العبرو-عربي يثبت أنّ” إسرائيل ليست أوروبا”

وشهد إيهاب عطيلة (23 عاماً) وهو من سكان قرية بيت جن في الجليل الأعلى على نفسه بالقول: “لقد نشأت على الموسيقى الشرقية وخاصة الأغاني الكلاسيكية لمطربين من أمثال زوهار أرغوف ويشاي ليفي. كما أنني مُعجب بإيال (غولان) وأرتبط أكثر بالموسيقى الشرقية”. كما أشار المطرب عطيلة إلى أنه يشعر بالارتياح لتقديم أغانيه باللغة العبرية: “ليست لديّ أي مشكلة حيث أغني دوماً بالعبرية. ولم أقدم خلال البرنامج إلا أغنية واحدة بالعربية، علماً بأنني أستمع منذ طفولتي إلى الموسيقى الإسرائيلية وأرتبط بها كثيراً”. بدوره قال المطرب لؤي علي (24 عاماً) من سكان قرية المغار الجليلية، وهو من مطربي الأعراس المعروفين في الوسط الدرزي، إنّ لديه برامج بالنسبة لمستقبله الفني: “أنوي الاستمرار في اعتماد الأسلوب الخاص بي وتقديم الأغاني التي تختلط فيها اللغتان العبرية والعربية”.

خلاصة القول: ثمة حقيقة ثابتة مفادها أن الموسيقى العربية، بما تحتوي عليه من خصائص مميزة من قبيل المقامات والربع تون والآلات الخاصة، لم تصبح طي النسيان لدى المواطنين الإسرائيليين الذين ولدوا وكبروا في شتات الدول العربية حتى بعد مرور 4 أو 5 عقود على عودتهم إلى إسرائيل، بل إنّ أبناء الجيل الثاني والثالث والرابع للمهاجرين يشعرون بالحب والارتباط بالموسيقى العربية.

وتدل هذه الحقيقة مرة أخرى على أنّ “إسرائيل ليست أوروبا”، ومهما حاول الإسرائيليون التطلع إلى الغرب فإن حضارتهم ذات جذور عميقة في الشرق الأوسط.

حقوق الصورة البارزة: فيسبوك

تعليقات