ليلى مراد غنت لعيد الغفران والحج: مثال للإبداع والتسامح

ليلى مراد أيقونة فنية خالدة ونجمة ساطعة في سماء الفن.. أطربت العرب واليهود بتغريداتها العبرية والعربية، ستبقى خالدة في ذاكرة الأجيال

خاص لموقع المغرد 

تظل ليلي مراد أيقونة الأغنية العربية مثل زهرة الزيتون اليافعة، القادرة على النمو حتى في أصعب الظروف المناخية، وهبوب الرياح الحارة والقارسة والعواصف العاتية عليها. تنمو هذه الزهرة لتتحول إلى ثمرة يانعة تروي عطش الملايين من عشاق زيتها الذي يداوي جراح قلوبهم الولهانة.

كلمات ليلي مراد كانت بلسما يداوي الجراح ويهدئ الخواطر. هدوء امتد ليشمل الملايين من سكان الشرق الأوسط والعالم. ودول الخليج استعانت بها من أجل الترويج لأعيادها ومناسباتها الوطنية والسياسية.

لا يزال الملايين يتذكرون ليلى مراد، هذه الأيقونة التي يرتبط اسمها بالخير والعطاء الروحاني الديني. ولعل هذا هو السبب الذي دفع بالمنشدين إلى الاستعانة بها، فهي تعد من أوائل من غنوا لليهودية والإسلام على حد سواء.

Leila_Mourad_3

هذه البنت الشقية، كما كان يلقبها عملاق الكوميديا الراحل نجيب الريحاني، استطاعت أن تخلد أعمالها في ذاكرة المصريين. ورغم محاولات الإساءة إليها والتشهير بها بسبب أصولها اليهودية، ظلت مراد هي الأكثر شهرة والأبرز بين أبناء جيلها.

وعكست الأعمال الفنية المصرية في النصف الأول من القرن العشرين، أجواء التنوع والتعدد والغنى التي ميّزت والثقافة المصرية آنذاك والمجتمع الذي ساده التسامح، حيث عاش أناس من جنسيات وأديان مختلفة، مسيحية ويهودية، وشيعية وسنية مع بعضهم. وسمحت روح التسامح هذه للكثير من المواهب أن تتألق في سماء الحركة الفنية المصرية التي زخرت بهؤلاء النجوم الذين كانوا كالسحاب الغني الذي هطل فنا وإبداعا سحر العالم.

لكن رغم تألق وإبداع ليلى مراد، فإن الحظ لم يحالفها كثيرا في حياتها الزوجية، مثلما حالفها في مسيرتها الفنية. حيث دخلت في خصام مع زوجها الفنان الراحل نجم السينما المصرية أنور وجدي بسبب خلافات فنية ومالية، لم يستطيعا حلها. وقد استغل وجدى أجواء الاحتقان والكراهية ضد اليهود في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي في مصر، زاعما بأن مراد سافرت إلى إسرائيل سرا ودعمت الموساد.

تألق وإبداع بدأ في الطفولة

ولدت مراد من أب وأم يهوديين فى 17 فبراير/شباط من عام 1918. عرفها الناس من صوتها عندما أقام لها والدها حفلًا غنائيًا فى مسرح القاهرة عام 1932 ، وحضره عدد كبير من الشخصيات الكبيرة منهم أمير الشعراء أحمد شوقى والموسيقار محمد عبد الوهاب الذي أشاد بها بعد سماع صوتها، ووضعت تلك الحفلة حجر الأساس لمسيرتها الفنية وعلاقتها بالموسيقار عبد الوهاب الذى كان أول من فتح لها باب الشهرة والمجد.

وكانت لمراد الكثير من الأعمال الفنية الدينية اليهودية، حيث غنت أكثر من مرة في الأعياد الدينية اليهودية، ومنها مقطع انتشر كثير، عن يوم عيد الغفران اليهودي.

يا رايحين للنبي الغالي 

ليلى مراد لم تكن منغلقة أو متعصبة لأصولها اليهودية، بل كانت منفتحة جدا حيث غنت للمسلمين والإسلام أيضا، وأغنيتها الشهيرة “يا رايحين للنبي الغالي” بمناسبة بدء موسم الحج، لا يزال يتذكرها المصريون والعرب منذ عقود طويلة، ويرددها ويغنيها الملايين عند توجههم إلى الديار المقدسة.

الأهم من هذا، هو أن هذه الفنانة المصرية اليهودية الجميلة ليلي مراد، غنت أيضا لمبادئ اللغة العبرية وأغنيتها الشهيرة التي طالما تغني بها المصريون والعرب وهي أبجد هوز حطي كلمن.

لكن رغم انفتاح مراد وكل عطائها وإبداعها في مجال الفن، إلا أن أصولها اليهودية كانت سببا لتلفيق بعض التهم والأكاذيب حولها، بهدف النيل منها ومن مكانتها الفنية الرفيعة. وكان القدر في كثير من الأحيان قاسيا عليها، فأثناء حرب عام 1956 اتهمت بالعمل لصالح الجيش الإسرائيلي. وقال بعض حسادها وخصومها، إن أغنيتها الشهير “يا مسافر وناسي هواك” التي غنتها لحسين رياض، كانت في الأصل رسالة مشفرة لإسرائيل.

غير أن هذه الأكاذيب تحطمت مثل الأمواج الواهية مع رسوخ وثبات وقوة كلمات وألحان هذه الأغنية العظيمة على مدار العقود وتعاقب الأجيال. وباتت هذه الأغنية التي غنتها مراد في فيلم “شاطئ الغرام” بمثابة أيقونة للمصريات ممن تركهن أزواجهن وأحبائهن مسافرين بعيدا. وتقول كلمات الأغنية:

“يا مسافر وناسى هواك ريداك والنبى ريداك.. أحلف لك بدمع العين وملكش عليا يمين.. أن فاتت عليا سنين حفتكرك ولا حنساك.. ريداك والنبي ريداك ريداك والنبي ريداك.. تسألنى صحيح حبيت لا جاوبتك ولا حبيت.. ياريت الكلام ياريت وفانى وباح بهواك.. ريداك والنبي ريداك ريداك والنبي والنبي ريداك.. أحكى له يا موج مطروح ع القلب اللى بات مجروح.. من فرقة حبيب الروح.. روح قله ده قلبى معاك.. ريداك والنبى ريداك”.

ووصل الأمر بمتطرفين إلى حد اتهامها بالتبرع بمبلغ كبير من المال لإسرائيل، وهو ما ثبت كذبه فيما بعد ذلك.

ليلى مراد تغني للكويت

وربما لا يعرف الكثير من العرب أن ليلى مراد هذه المغنية اليهودية الأصل، قد غنت للكويت في عيد استقلالها أغنية “طير على الكويت”، هذه الأغنية التي لا تزال الكثير من الدوائر الكويتية تذيعها حتى الآن.29

وفي نهاية أيامها حرصت مراد على التفرغ لتربية أبنائها ولم تظهر إلا نادرا على خشبة المسرح حين كان يقف إلى جوارها فنانون كبار مثلها من الزمن الجميل في مصر.

وعلى عكس حياتها الفنية السعيدة والناجحة، كانت حياتها الاجتماعية صعبة وقاسية، حيث انفصلت عن زوجها الفنان أنور وجدي، لتتزوج بعده وجيه أباظة وتنجب منه إبنها أشرف؛ الا أن هذا الزواج لم يدم طويلا، وتزوجت من المخرج فطين عبد الوهاب وأنجبت منه إبنها زكي، المخرج والفنان المصري المعروف.

وبما تركته ليلى مراد من ميراث فني، ستبقى خالدة في ذاكرة الأجيال ونجمة ساطعة في سماء الغناء العربي والعبري وقدوة ومثالا يحتذى في الإبداع والتسامح والانفتاح.

تعليقات