القدر يجمع بين شاعرين من بغداد من بلدين معاديين

ماذا كان يدور في خلد شاعر بغدادي يتناهى إلى مسامعه أن أشعاره يتم تدريسها في الجامعة العبرية في أورشليم القدس ومن قبل أستاذ من مواليد بغداد هو الآخر؟ قصة مثيرة لشاعرين بغداديين تدل على أن الفن والشعر قد يمثلان جسرا

كيف بدأ كل شيء؟

في فترة ما من ستينات القرن الماضي سجل الطالب الجامعي الشاب يعكوف روزين كينغسبوخ في قسم اللغة والثقافة العربية بالجامعة العبرية اسمه في دورة في الشعر العربي الحديث يقوم بتدريسها المرحوم البروفسور شموئيل موريه، والذي توفي قبل بضعة أسابيع. كان الشعراء العراقيون في تلك الفترة يعتبرون طليعة الشعر العربي المعاصر، وكان جميعهم من مواليد القرن العشرين، وقد سمي شعرهم بالشعر الحر كونه متحررا من القوانين الصارمة الناظمة للشعر العربي حتى ذلك الحين، والمتعلقة بالقافية والوزن. وقد ولد البروفسور موريه او سامي معلم في بغداد بعد نحو عقد من عصر أولئك الشعراء المعروفين، ومارس هو الآخر نظم الشعر، حيث بدأت الصحف المحلية تنشر له قصائده في أواخر الأربعينات. ومن الطبيعي أن يكون معظم الشعراء الذين تعلم أشعارهم روزين وزملاء دراسته في الجامعة العبرية هم من الشعراء العراقيين، ومنهم بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي والشاعرة نازك الملائكة.

 أخوّة الشعراء البغداديين

بعد بضع سنوات بدأ يعكوف العمل الدبلوماسي في السفارة الإسرائيلية بهولندا، حيث شارك في إطار عمله في ورشة عمل عن الشعر عنوانها Poetry International أقيمت في مدينة روتردام، بحضور نحو 30 شاعرا من كافة أنحاء العالم. وقام نظام الورشة على اختيار شاعر معين وترجمة عدد من قصائده إلى الإنجليزية، ثم يطلب من كل مشترك أن يترجم النص الإنجليزي إلى لغته، ليتلو الترجمة على الشعراء الذين كانوا يستمعون إلى شعرهم وهو يتلى بلغة أجنبية لا ينطقون بها. وكان من بين المشتركين الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي، فتحلى يعكوف بالشجاعة وتقدم منه وأصبح يحادثه ويخبره بحماسة بأنه كان قد درس أشعاره في الجامعة وفي دورة للبروفسور موريه وهو أيضا من مواليد العراق. وأسهب الاثنان في الحديث باللغة العربية حول دراسة يعكوف الجامعية، وأبلغ الدبلوماسي الاسرائيلي الشاعر البياتي بأسماء أشعاره التي كان درسها في تلك الدورة.

وعندما اقترب اللقاء من نهايته صعد البياتي إلى غرفته وعاد بثلاثة من مؤلفاته العربية، منوها إلى أنه محظور توزيعها في الأردن، ولذلك لا يمكن أن تصل إلى إسرائيل (كانت معظم كتب البياتي تشتريها الجامعة العبرية من عمان). وطلب البياتي من يعكوف تسليم الكتب الثلاثة إلى البروفسور موريه، فوعده يعكوف بذلك، كما تمنى عودة لقائه في موعد لاحق. وقد وصلت الكتب إلى البروفسور موريه فأسعده ذلك كثيرا.

وإن كان يتعذر معرفة ما دار في فكر الشاعر البغدادي حين اكتشف أن شعره يتم تدريسه في الجامعة العبرية ومن قبل أستاذ مولود في العراق، إلا أنه لا شك في أن اللقاء الذي دار بين يعكوف والبياتي أثبت أن الشعر والفن يمثلان جسرا متاحا لردم الهوة بين طرفين.

وتكرر شبه المستحيل …

وعندما كان يعكوف يؤدي خدمته الدبلوماسية في عمان سنة 1998 صادفه خبر في إحدى الصحف الأردنية تبين منه أن البياتي مقيم في عمان وله طاولة دائمة في أحد مقاهي العاصمة، أصبحت ملتقى للمفكرين. وقرر يعكوف وأحد الصحافيين الإسرائيليين الذهاب إلى ذلك المقهى، حيث تمكن من العثور على البياتي، فقدم نفسه له مرة أخرى، فأجابه الشاعر العراقي بأنه ظل ينتظره لفترة طويلة. وتحدث الصحافي مع البياتي بسلاسة باللهجة المحلية، مخبرا إياه بأن له جمهور من المعجبين في إسرائيل، وسوف يدعونه إلى إلقاء سلسلة من المحاضرات في إسرائيل لو وافق على ذلك. إلا أن البياتي اعتذر لأنه مريض جدا ولن يستطيع الوصول إلى إسرائيل، وبعد سنة من ذلك انتقل إلى دمشق حيث وافته المنية. أما شعره فباق حي إلى الأبد.

(مختصر من مقال نشرته صحيفة “هآرتس”)

تعليقات