“نوفي غود” عيد شعبي استثنائي في إسرائيل التعددية

يحتفل في إسرائيل بالكثير من الأعياد، لكن عيد “نوفي غود” مختلف. فماذا يميزه عن الأعياد الأخرى وما هي مراسم الاحتفال به ومن أين جاء هذا العيد؟

كان الحكم السوفياتي والشيوعي في شرقي أوروبا وآسيا بداية خلال القرن الماضي حكما استبداديا قاسيا. ومن أفكار ذلك النظام وجرائمه البارزة محاربة المشاعر الدينية والقومية خوفا من استخدامها، بما تمثله كجزء مهم من الهوية الثقافية والوطنية للمرء، في مناهضة الحكم الشيوعي ومحاولاته إنشاء هوية وطنية وثقافية جديدة تعتمد على قيم الطبقة العاملة بدل الديانة والقومية. وتماشيا مع هذه القيم الاضطهادية تم منع الاحتفال بأعياد الميلاد واستخدام رموز العيد مثل وضع شجرة الميلاد، ابتداء من عام 1917. كما وتمت محاربة الأديان ومنع ممارسة الشعائر والطقوس الدينية، ليس للمسيحيين فقط، بل لليهود والمسلمين أيضا، الأمر الذي أدى إلى خلق أجيال علمانية مُنعت من ممارسة ودراسة دينها لعقود طويلة.

عيد بديل!

في تلك الفترة كان عيد الميلاد يحظى بشعبية كبيرة لدى الشعوب التي كانت تحت سيطرة الاتحاد السوفياتي. وعلى مر السنوات حاولت السلطات إقناع الشعوب بأن الاحتفال بالأعياد العلمانية قد يؤدي إلى تنمية الإحساس بالوحدة الوطنية، فسمحت بالاحتفال بعيد مختلف في الـ31 من أيلول/ديسمبر، على غرار عيد الميلاد، سمي بعيد “نوفي غود” أي “السنة الجديدة”. وألغت السلطات جميع الملامح الدينية التي رافقت عيد الميلاد، مثل وضع الصلبان وذكر ميلاد المسيح، لكنها سمحت بوضع شجرة العيد كما كان عليه في الماضي.

وفعلا أدت إزالة المظاهر الدينية الخاصة بميلاد المسيح إلى القبول الواسع بهذا العيد الجديد، حتى من قبل الطوائف غير المسيحية واحتفلت الجماهير في العيد بمجيء العام الجديد فقط، بلا أي رموز دينية.

وتشمل عادات العيد وضع شجرة العيد وتزيينها وتبادل الهدايا وإقامة حفلات التنكر للأطفال، وتناول وجبة احتفالية مع أفراد العائلة والأصدقاء. وتضم المائدة الاحتفالية عدة مأكولات خاصة بالعيد مثل الـ”خولوديتس” (أي لحم أرجل البقر) و”سيليودكا بود شوبوي” (سلطة خضر وسمك). وحسب التقليد تملأ الطاولة بالمأكولات رمزا للثروة خلال العام القادم.

اضطهاد اليهود تحت الحكم السوفياتي

هجرة يهود الاتحاد السوفياتي في تسعينيات القرن الماضي جاءت بعد عقود من النضال السياسي للمجتمع اليهودي في إسرائيل والأقليات اليهودية في الخارج. فوفقا للقوانين السوفياتية كان الخروج من أراضي الاتحاد يستلزم موافقة مسبقة من قبل “لجنة أمن الوطن” أو “كي.جي.بي” والتي مثلت جهاز الأمن الداخلي الوطني. وكل من كان يخرج من الاتحاد السوفياتي ينظر إليه كـ “خائن” وكان يواجه العقوبات القاسية، مثل النفي والتهجير إلى مخيمات التشغيل والأعمال الشاقة في سيبيريا.

كما تم منع وتجريم كل أنواع الحراك السياسي خارج إطار الحزب الشيوعي الحاكم، بما في ذلك الحراك السياسي الصهيوني الذي سعى إلى السماح لليهود في الاتحاد السوفياتي بالهجرة إلى دولة إسرائيل. وكان عشرات ومئات من اليهود الراغبين بالهجرة إلى إسرائيل قد اعتقلوا وهجّروا إلى مخيمات الأعمال الشاقة بذريعة “خيانة الوطن”. لكن في إسرائيل كان ينظر إليهم كأبطال سلبوا حقهم في التعبير عن رأيهم. واعتبرت الحكومة الإسرائيلية أولئك الأسرى في الاتحاد السوفياتي “سجناء صهيون” وضغطت على القوى الدولية لتساند إطلاق سراحهم. وفي داخل إسرائيل وخارجها نظمت حركات مدنية وسياسية يسارية ويمينية مظاهرات حاشدة شارك فيها مئات الآلاف، مطالبين بالإفراج عن هؤلاء المعتقلين في سيبيريا، تحت نفس الشعار الذي طالب به النبي موسى عليه السلام فرعون: “حرر شعبي!”.

ومن أبرز الشخصيات التي حظيت بلقب “سجين صهيون”: عضو الكنيست السابق ورئيس الوكالة اليهودية ناتان شارانسكي، ورئيس الكنيست يولي إيدلشتاين، والناشطة السياسية إيدا نودل.

الاحتفال بالعيد في إسرائيل

أدى سقوط “الستار الحديدي” نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات والسماح بهجرة اليهود من الاتحاد السوفياتي ومجيء أعداد هائلة من اليهود الروس والأوكرانيين والكازاخ والأوزبك ومن أرمينيا وغيرها إلى دولة إسرائيل، وفي عام 2000 تجاوز عدد المهاجرين إلى إسرائيل من دول الاتحاد السوفياتي السابق مليون نسمة.

وبالرغم من صعوبات الاستيعاب المتمثلة بتغيير اللغة والعقيدة والوعي الديني وحتى صعوبة الدولة في إيجاد السكن لمئات آلاف الأشخاص، نجح يهود الاتحاد السوفياتي في الاندماج الكامل ضمن المجتمع الإسرائيلي، محتلين مكانة مهمة في جميع المجالات السياسة والثقافية والقانون والرياضة والخ.

كما وحملت معها تلك الجالية العظيمة عيد “نوفي غود” إلى المجتمع الإسرائيلي، وتحتفل به مختلف المجتمعات بالموائد التقليدية والندوات وورشات العمل التي تخص دور الجالية الروسية في إسرائيل. ويعتبر جيش الدفاع الإسرائيلي “نوفي غود” عيدا طائفيا عائليا، كما وقررت الكنيست عام 2011 أن العيد يعتبر “يوم عطلة اختيارية” من ضمن العطل الأخرى.

ونتمنى للجميع  نوفي  غود” – سنة جديدة حلوة!

حقوق التصوير: ويكيمديا، يوغي555

 

تعليقات