صفحة جديدة بين اليهود واسبانيا مدعاة للأمل في الشرق الأوسط

بعد أكثر من 500 سنة من طرد يهود إسبانيا تقوم السلطات الأسبانية في الوقت الحاضر بإبراز مساهمة المكوّن اليهودي في جميع المجالات في العصر الأندلسي. هل يمكن إسقاط هذا التغيير على العلاقة بين اليهود والمسلمين في الشرق الأوسط؟

سمادار العاني

كانت زيارتي لإسبانيا تحقيقًا لحلمٍ قديم منذ عهد الثانوية، حين تعلمت عن العصر الذهبي في أيّام الأندلس، الذي كان يتسم بالإزدهار الثقافي والأدبي وبتسامح ديني منقطع النظير .كان هذا العصر مثيرا للفضول، مع أنّني كُنت أظن أنّه أصبح في طيّ النسيان. زيارتي مؤخرا لإسبانيا بددت هذه الأفكار. إذ رغم طردهم قبل أكثر من 500 سنة، يبدو أنّ اليهود والتراث اليهودي قد تركوا بصماتهم في جميع أنحاء الدولة الإسبانية.

شواهد تأريخية

تشهد مدينتا قرطبة وطوليدو نهضةً غير مسبوقة للتراث اليهودي بما في ذلك عمليات ترميم واسعة لمبانٍ ومحلات كانت ملكيتها يهودية. أكثر ما شد انتباهي في مدينة قرطبة أن منزل الحاخام موسى بن ميمون (الرمبام) الذي اضطر الى الهروب من الأندلس بسبب الملاحقة، امسى مركزًا سياحياً ،يتكلم عنه السكان المحليون بمنتهى الفخر والإعتزاز. ويشكل تمثال الرمبام في المدينة موقع جذب سياحي، إضافةً إلى فندق يحمل اسمه. ويذكر ان هذا الفيلسوف اليهودي الذي كان من اكثر علماء التوراة شهرة في العصور الوسطى كان عالم فلك وطبيابا خاصا في بلاط الملك صلاح الدين الايوبي في مصر في القرن ال.-12 كما دشّنت السلطات المحلية في المدينة مؤسسة “كاسا إسبانيا” التي تشكل متحفا ومركز تجمع لمثقفي الأندلس على كافة أطيافهم ودياناتهم، بما فيهم مهاجرين جدد من دول شمال إفريقيا.

أمّا في طوليدو التي يتم تسميتها “أورشليم الإسبانية” فنلاحظ بالكلمات العبرية المكتوبة على الأرصفة، بالإضافة إلى الدكاكين لبيع الأسفار ورموز يهودية تقليدية. وأنا اتجول في معالم المدينة بقي يتردد في ذهني سؤال ملح عن سبب تكريس ذكرى يهود اسبانيا في ايامنا هذه؟ هذا السؤال طرحتُهُ على أحد السكان المحليين، وكان ردّه غير متوقعًا حيث قال” :نحن نعاني من نسيان ثقافي وفكري بعد 500 سنة من القومجية الإسبانية، ونريد كشف الجذور الحقيقية”.
هل يمُكننا إسقاط الواقع في إسبانيا على الواقع الشرق أوسطي؟ هذا التوجه في أسبانيا افضى بي الى المقاربة بين محاولات الإسبان لتصحيح الظلم الذي تم إرتكابه بحق اليهود في بلادهم، ومحاولات العديد من العراقيين التي تصب في هذا الإتجاه نشهدها في الأونة الأخيرة على شبكات التواصل الإجتماعي .اتضح لي من هذه المقاربة أنّ التأريخ البشري يتسم بعلاقات مدّ وجزر بين المكوّنات السكانية المختلفة، ولكن يبدو أنّ البعد الزمني يطرح مساحة اكبر لتفحص الأمور وهذا ما حدث بين مختلف الشعوب حتى بعد حروب دامية ،تتجه اليوم نحو المصالحة والتسامح والإنفتاح .

رغم الظلم الذي لحق بيهود إسبانيا نشهد اليوم تدفقا مستمرًّا لإسرائيليين ويهود إلى هناك، في إطار مصالحة تأريخية بين الشعبين، ممّا يجعلنا نتمنى أنّه في يوم من الأياّم يتمكن يهود الشرق الأوسط بزيارة مسقط رأس أبائهم وأجدادهم لمشاهدة جذورهم. من هذا المنطلق يمكنني القول إنّ زيارتي لإسبانيا قد غرست لديّ الأمال بإستنساخ أجواء التعاون والتعايش التي سادت في العصر الأندلسي على الحياة الشرق أوسطية، وبتبني هذا النمط الحياتي بين جميع سكان العالم.

تعليقات