يهود الجزائر في إسرائيل: أقلية مميزة تعتبر نفسها جسرا للسلام

يحمل الكثير من اليهود الجزائريين الذين يعيشون في إسرائيل، في ذاكرتهم قصصا مثيرة، تدمج بين الشوق والخوف، عن إحدى أقدم الجاليات اليهودية في البلاد العربية. ما هي قصة يهود الجزائر ؟ كيف ساهموا في تطوير إسرائيل؟ وكيف ينجحون اليوم بالحفاظ على ثقافتهم بعيدا عن بلدهم الأصلي؟  
سيوان كوري

 

يعتبر اليهود الجزائريين في إسرائيل أحد أقدم المجموعات اليهودية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومع ذلك، لا نملك الكثير من المعلومات عنها، بخلاف المجموعات اليهودية الأخرى التي اندمجت في إسرائيل، مثل يهود المغرب والعراق. حاولنا البحث عن جذور هذه المجموعة وعن الطرق التي يحاول أعضاؤها من خلالها الحفاظ على ثقافتهم اليوم، في إسرائيل.

شتات يهود الجزائر بعبق التاريخ

ينسب الباحثون بدايات الجالية اليهودية في الجزائر إلى ما قبل نحو 2,500 عام. في سنة 1391 في أعقاب ملاحقة يهود إسبانيا، وصل الكثير من اللاجئين إلى الجزائر، وجعلوا من الجزائر مركزا اقتصاديا وثقافيا مزدهرا. في أعقاب طرد يهود إسبانيا عام 1492 وصل المزيد من اللاجئين للسكن في الجزائربضمنهم من ذوي المهارات والمواهب المتعددة. بلغ تعداد يهود الجزائر عام  1830نحو 30,000 شخص.

Sanya_Synagogue_Alger

كنيس في الجزائر، حقوق التصوير: ويكيمديا

بحسب موقع المركز العالمي لحضارة يهود شمال أفريقيا، فقد كان التطور الاقتصادي في منطقة المغرب أحد العوامل المركزية في تطور يهود شمال أفريقيا. فقد تحولت المدن الساحلية مثل هونين وباجيا إلى مدن مركزية بفضل التجار اليهود. عام  1870 حصل يهود الجزائر على الجنسية الفرنسية، والتي تم سحبها منهم لاحقا خلال الحرب العالمية الثانية.

يروي بول، وهو يهودي من أصول جزائرية، خلال مقابلة حصرية مع المغرد، كيف كان يذهب في طفولته إلى المدرسة مع المسلمين والمسيحيين، حيث كانوا يتعايشون جميعا بصورة طيبة. من وجهة نظره، أن حصول اليهود في الجزائر على الجنسية الفرنسية، لا يعني بالضرورة التعامل معهم كمواطنين فرنسيين بل عانوا من التمييز واللاسامية. يتذكر بول جيدا كيف تم طرده من المدرسة لأن الفرنسيين تعاونوا مع النازيين خلال الحرب العالمية الثانية.

يصف بول الغضب تجاه الفرنسيين الذين كانوا يعيشون في الجزائر بعد الاستقلال، وعن إجبار اليهود على إخلاء منازلهم واقتلاع جذورهم للرحيل إلى فرنسا، الدولة  التي لم تستقبلهم كمتساوين. هذا ما دفعه على التمرد والهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، إلى الحضارة والثقافة الأمريكية التي استهوته.

افضت معاناة اليهود خلال حرب الاستقلال الى هجرة نحو 130 ألف يهودي، غالبيتهم إلى فرنسا، ونحو 10% منهم إلى إسرائيل. بعد حرب الأيام الستة، ازداد النشاط الصهيوني بين أفراد الجالية، الأمر الذي ساهم في هجرة اليهود إلى أرض إسرائيل. خلال سنوات الألفين، أشارت التقديرات إلى وجود ما بين 100 حتى 200 يهودي في كافة أنحاء الجزائر.

800px-World_Jewish_Congress_North_African_Conference,_Algiers,_June_1952

المؤتمر اليهودي العالمي، مؤتمر شمال أفريقيا، الجزائر عام 1952، حقوق التصوير: WorldJewishCongress، ويكيمديا

ما هو السبب للهجة الضئيلة الى إسرائيل؟ يرد بول بأنهم سمعوا عن تمييز يهود الدول الإسلامية في التعليم، ومكان السكن مقارنةً بما كان يحظى به يهود أوروبا. بحسب رأيه، من الممكن أن يكون هنالك تفسير آخر، وهو أن حياة الكيبوتس كانت صعبة بالنسبة لهم. يقول بول إنه كان يرى جذوره دائما في الجزائر، حيث ترعرع.

وفي مقابلة حصرية للمغرد يضيف الدبلوماسي المتقاعد داني أيالون  من جذور جزائرية، الذي شغل منصب نائب وزير الخارجية وعضوا في الكنيست يضيف سببا آخر: ” لا شك ان  حيازة الجنسية الفرنسية كانت محفزاً للهجرة الى فرنسا باعتباراليهود ذوي ثقافة فرنسية ويتكلمون اللغة “.

كان اليهود الجزائريون الذين جاؤوا للسكن في إسرائيل من بين أوائل مقيمي بلدات عين هود، تسروفا ويوشيفيا. أحد هؤلاء اليهود الذين قدموا إلى البلاد، هو جوليان أبو. وُلد في الجزائر عام  1931 في مدينة ميليينا. بعد انتهاء تعليمه نجح في القبول للعمل في البريد الفرنسي وتم إرساله إلى فرنسا. يتذكر الانتقال إلى فرنسا كتجربة صعبة جدا بالنسبة لشاب صغير، ينتقل إلى بلاد شديدة البرودة، وحده، لكن في ظل الوضع الصعب في الجزائر والحرب، قرر البقاء في فرنسا. عاد فقط من أجل الزواج بحبيبته، وبعد الزفاف فورا، سافر مع زوجته الجديدة إلى فرنسا.

بلدة الشتات الجزائري في إسرائيل

في فرنسا، كان هو وزوجته ناشطين في منظمة صهيونية يهودية، وقد قررا الهجرة إلى إسرائيل وتحقيق الحلم الصهيوني. خلال السنوات الأولى، كان الوضع في الموشاف (قرية زراعية) الذي أسساه “راموت مئير” يشبه بلدة فرنسية، لدرجة أنه شمل أيضا صحيفة محلية باللغة الفرنسية. كل ذلك بموازاة تعليم اللغة العبرية ودراسة الزراعة. في نهاية المطاف، بدأت عائلته العمل في مجال التجارة وتصميم الاحتفالات، وهو المجال الذي ما يزال ساريا في العائلة حتى يومنا هذا، من خلال ابنه.

قادم آخر هو إلباز دافيد، الذي ولد في الجزائر في مدينة بون. قدم مع عائلته إلى إسرائيل عام 1949 في أول يوم استقلال لدولة إسرائيل. في البلاد، تعلم اللغة العبرية، درس الزراعة وكذلك أغاني وأشعار أرض إسرائيل. هنا، أنشأ عائلة، ويقوم اليوم برعاية كرم للوز، ويرى بنفسه مزارعا ناجحا.

 

nino3-b

الثقافة الجزائرية حاضرة في إسرائيل

في إسرائيل، يهتم اليهود الجزائريون بالحفاظ على الثقافة الجزائرية واحياء مؤتمر سنوي إضافة الى الموسيقى. في مجموعة الفيسبوك “يهود الجزائر”، يتم نشر مواعيد عروض المغنين من أمثال نينو بيطون المشهور بلقبه “نينو المغربي” الذي يعزف مع فرقة المغرب موسيقى جزائرية كلاسيكية، موسيقى شعبية وأناشيد خاصة من الموسيقى الجزائرية. كذلك، المغني الفرنسي من أصول يهودية جزائرية، إنريكو ماسياس، الذي يدمج في عروضه رحلة إلى جذوره الموسيقية الجزائرية، اليهودية والأندلسية، ويقدم عروضا في إسرائيل.

669px-Enrico_Macias_in_Tel_Aviv

إنريكو ماسياس، حقوق التصوير: Ilan Costica، ويكيمديا

ما الذي يشغل حاليا الجالية اليهودية يجيب داني أيالون:” إن يهود الشتات الجزائري منهمكين حاليا في الحيلولة دون هدم الحكومة الجزائرية للمقبرة اليهودية، وهو أمرٌ يتنافي مع الديانة اليهودية ايضا”.

التواصل شبه معدوم مع الجزائر

وردا على سؤال ما اذا تحدث مع دبلوماسي جزائري في الأمم المتحدة عندما كان في البعثة الإسرائيلية:” تبادلت مع السفير الجزائري السلام لكن من الواضح انّ هناك خوفٌ لتبادل الحديث مع إسرائيلي!”

وفي حديث للدكتور يوسيف شربيط، الباحث في مجال جاليات شمال أفريقيا مع “القناة 7” الإسرائيلية إنه يرى في يهود الجزائر الذين تأثروا بالثقافة والحضارة الغربية سيؤهلهم مستقبلا لتبوأ مكانة مركزية في العمل الاجتماعي الصهيوني العام، لكونهم قادرين على التجسير وسد الفجوات واحتواء أنماط التفكير والزوايا المختلفة في اليهودية.

في الصورة الرئيسية: عائلة يهودية في الجزائر. حقوق التصوير: ويكيمديا

تعليقات