سمير نقاش: حالم رافديني يهودي كبير

يقف هذا اليهودي في نظرته الكافكوية ليسجل لنا وجها مرئيا من صباحات بغداد التي كانت تجمع في دهشتها الجامع والكنيس و الكنيسة ومندي الصابئة. أنها المكان المتوحد في ذاكرة الجميع والذي ايقظ في قلم النقاش المزيد من تحولات الكتابة وفي مذاهب روحية وطقسية وشخصيات مختلفة

حصري، كتب مازن لطيف من بغداد

تمثل صورة سمير النقاش في مجمل سيرته الذاتية جزءا من حميمة الانتماء الى الوطن الأم، مهد الولادة، فهذا اليهودي المبدع الذي خلق في صيرورة روحه ومنتجه الادبي الروائي والصحفي الحس الاقرب للوطنية والانتماء بالرغم من قسوة التهجير والمنفي التي سكنت هاجسه الروحي وعكسه في مشاعر روحية وتناقضات ايقظت في الذات التوراتية لسمير نقاش مسارات الحكمة والسرد والبقاء وقيا للمكان الرافديني وثقافته.

لقد منحنا هذا الرجل الوفي لعصاميته احساسه أنّ المكان ولغته هو الهوية وليتحمل في سبيل ذلك الكثير من العقوبات ومحطات الهجرة وبالرغم من هذا ظل هذا (اليهودي ــ العراقي) يعيش مع العميق من رؤاه ونبراته وشخوصه التي سجلها في محاورات الذات وخصوصيتها وردة فعلها في كل اعماله الادبية التي شكلت في مجملها وحدة ادبية فاتنة وايثار سخي وانتماء حضاري للبيئة العراقية وتسجيل وفي لكل اللحظات التي صنعت جسده وروحه منذ السبي البابلي والى لحظة القرار الجائر بترحيل اليهود العراقيين من بلادهم الاصلية الى فلسطين في مطلع خمسينيات القرن الماضي.

الرحيل القسري الى إسرائيل عكس على روح النقاش حزمة من المنغصات الروحية والالم خاصة بعد وفاة والده ليحول كل تلك الازمات الروحية الى مكابدات كتابية جعلت روحه المتحفزة في يقظة حزنها ومكابداتها وترحالها وحياته الاسرية الصعبة تنتج لنا سفرا من الحكاية المركبة والتي تصلح لتكون قاموسا لفك شفرات عقدة الذات التي تعرضت لتاريخية الاضطهاد والتشريد منذ زمن نبوخذ نصر والعبور الى سيناء وتهديم الهياكل وحتى وعد بلفور ولم يكن هذا يعني سمير نقاش كثيرا بل كان يعتني بتلك الاجواء السحرية لبيئة طفولته والمكان والتربية الاولى ليوظف هذا العشق ويعسه على مشاعر كل هذا التاريخ من ازمنة اورشليم وحتى ازمنة بيوت الشناشيل وحارات البتاوين وتلك الاوامر الجائرة التي صدرت من وزارة الداخلية بترحيله واهله وكامل ابناء ملته من عراق ساهموا كثيرا في بناء نهضته الحديثة.

“اللغة الفرنسية منفاي”

كتب سمير نقاش بالعربية لانها اللغة التي يعتقد بأنها توصل الكامن الخفي الذي يسكن ذاته ومشاعره ويمكن ان نقارن ذاته بالشكل الكافكوي للانتماء للمكان وكأنهما خلقا معا لقدرية الانفصام والحس الكئيب لتلك الغربة الروحية والمكانية فكانت مشاعره هي اسطورة اليهودي التائه الذي قدر له ان يمنح الرؤية التصورية للمكان الذي فقده تراث هائل من المدونات والحكي السردي بتفاصيل تختلف من شخصية لاخرى، وكانه يحمل تميمة النفي في اللغة وعكس ما كان يشعر فيه الجزائري كاتب ياسين الذي عرف عالميا من خلال كتابته باللغة الفرنسية، وعندما سألوه: لماذا تكتب بالفرنسية؟ قال: اللغة الفرنسية منفاي..!

سمير نقاش كتب بالعربية لأنها مكانه وبيته وعطر انتماءه، ايام كان يعيش على التراب العراقي وأيام منفاه، انه محكوم بحتمية الولاء والالتصاق وعدم الرغبة بفصل الروح عن الجسد من خلال التحول الى لغة اخرى عندما رفض الكتابة باللغة العبرية.

livre_5

“عراقي منتم الى الأزمنة التوراتية”

صورة سمير نقاش في سيرته الذاتية تتشكل في وحي الروح الموسوية والعبرانية رائية امتثلت في اشتياقها وهوايتها وابداعها الى المكان الابراهيمي وتراب بابل ولم تغادره ولم تتخلى عنه حتى عندما سحبت منه هوية الانتماء الى ذلك المكان الذي ولد فيه. هو يضعنا أمام قدرة مهله في العملية الكتابية وانتماء الى المكنون الخفي والقراءة الواضحة للذات اليهوية في اشكالية جمعها من الشتات الارضي في مكان واحد ومن عدة ثقافات ومجتمعات.

سمير نقاش المنتمي الى الازمنة التوراتية المقروءة بحداثة ابداعية متميزة وخصوصا في اشكالية الرائية الروائية يسحبنا الى عالم تتشابك فيه احداثيات العصر في متغيراته وصيروراته وفي ازمنة الصراع والحروب والثورات. يقف هذا اليهودي في نظرته الكافكوية ليسجل لنا وجها مرئيا من صباحات بغداد التي كانت تجمع في دهشتها الجامع والكنيس و الكنيسة ومندي الصابئة.

انها المكان المتوحد في ذاكرة الجميع والذي ايقظ في قلم النقاش المزيد من تحولات الكتابة وفي مذاهب روحية وطقوسية وشخصيات مختلفة. هذا الاداء الروحاني لذلك المبدع اليهودي يرسل لنا متعة القراءة في هذا الكتاب ويقودنا للتعرف على واحد من عظماء التدوين وصناع الاساطير الرافدينية في بلد ظل يعاني من حزن منافيه وحروبه وانقلاباته وحضارته.

عاش ومات والعراق في نبضه دوما…!

السيرة النقاشية

ولد سمير نقاش في بغداد عام 1938، وهو الوحيد من ستة بنات ولدوا لعائلة يهودية عراقية ثرية. التحق بالمدرسة في سن الرابعة، وبدأ الكتابة في السادسة. في عام 1951 وعندما كان عمره 13 سنة، هاجر وعائلته إلى إسرائيل، توفي والده عام 1953 اثر نزف في الدماغ خلال وجود عائلته في “المعبراه”، ( وهو الاسم الذي كان يطلق على معسكرات اللجوء التي كان يوضع فيها اليهود الشرقيون القادمون إلى إسرائيل)، وهذا كان له تأثير قوي عليه، مما جعله يعقد العزم على مغادرة إسرائيل.

انتقل من 1958 إلى 1962 بين تركيا، إيران، لبنان، مصر، الهند، و المملكة المتحدة. و واجه فيها صعوبات جمة مما اضطره الى العودة إلى إسرائيل، حيث تولى وظائف مختلفة. ألتحق عام 1970 بالجامعة العبرية في القدس، وحصل على درجة البكالوريوس في الأدب العربي، وكان معروفًا في العالم العربي وبين الجالية العراقية في إسرائيل، ولكن تمت ترجمة واحد فقط من أعماله إلى العبرية

تحت ضغط “قانون إسقاط الجنسية” الذي أصدرته حكومة توفيق السويدي في العام 1950 وسمحت بموجبه “لليهود الراغبين في ترك العراق” بالتخلي عن جنسياتهم العراقية في دائرة خاصة في مديرية الجنسية والسفر أنشئت لتنفيذ الطلبات التي يتقدم بها اليهود للتخلي عن الجنسية العراقية ومغادرة العراق إلى إسرائيل.

عاش سمير نقاش حياةً مضطربة والتي كانت محور أعماله الروائية والقصصية والمسرحية العديدة. وفي عام 1991 أصدر رواية “عورة الملائكة”، وكانت بغداد حاضرة من خلال ذاكرة بطل الرواية الذي كان تلميذاً متفوقاً في العراق. كان النقاش متزوجًا، وكان له ابنان وابنة واحدة، وكانت زوجته “فكتوريا” مصرية الجنسية .

توفي سمير نقاش في 7 يوليو 2004 عن عمر ناهز 66 عاماً وفي داخله ألم بسبب تركه للعراق حيث كان يعتبر نفسه أنه مات عندما كان في الثلاثة عشرة من عمره، حيث كان يرى أن حياته الحقيقية تقتصر على تلك الأعوام التي قضاها في العراق وأن ما تلا ذلك هو مجرد ظلال لتلك الأعوام.

أصدر نقاش  كتباً تنوعت بين رواية ومجموعة قصصية ومسرحيات منها:

  • أنا وهؤلاء والفصام /   قصص عراقية 1978
  • نزولة وخيط الشيطان / رواية عراقية 1986
  • فؤة يادم / نوفيلا عراقية 1957
  • الرجس رواية 1978
  • المقررون مسرحية 1990
  • عورة الملائكة رواية 1991 صدرت عن دار الجمل في المانيا
  • شلومو الكردي وانا والزمن 2004 روايته الاخيرة صدرت عن دار الجمل

تعليقات