حرية الخيار في اليهودية والإسلام

هل يملك الانسان حرية الخيار، أم أنه كتب عليه كل شيء في وقت سابق؟ وكيف تنسجم فكرة حرية الخيار وحقيقة كون الرب تعالى قديرا على كل شيء وعليما به؟ في هذا المقال نتناول الآراء والتيارات المختلفة في الديانتين اليهودية والإسلامية حول هذا الموضوع المثير جدا للإهتمام وللجدل

اوهاد مرلين

من المعلوم أن المفكرين والفقهاء المسلمين اختلفوا حول هذه القضية. وكانت هناك الفرقة الكلامية القديمة المعتزلة (أو أهل العدل والتوحيد) من القرن الثامن الميلادي والتي تأثرت بالفلسفة اليونانية القديمة، تتمسك بفكرة القدرية أي بوجوب وجود حرية الاختيار لدى الإنسان. وبحسب رأيهم كون الرب رحمنا ورحيما فمن المستحيل أنه يأمر المؤمنين بالوصايا ويعدهم بالجنة اوبالنار إذا كان مصيرهم مكتوبا ولا مفر لهم منه . لذا،  فأنهم أطلقوا على نفسهم اسم أهل العدل والتوحيد،  وكون الله سبحانه وتعالى عادلا  ومنصفا كان ما اوصلهم إلى استنتاجهم هذا.

وقد لاقت فرقة المعتزلة معارضة كبيرة من جهة المذهب الأشعري، الذي سعى إلى الابتعاد عن الأفكار اليونانية وتركز على قدرة الله على كل شيء. ووفقا للأشعرية  فكل شيء مكتوب من عند الله وأن الإنسان لا يعمل إلا ما يريده الرب ، وأن لا تأثير للإنسان على مصيره المكتوب. وينبثق هذا الرأي من الإيمان بأن الله هو على كل شيء قدير، فكيف يمكن للإنسان أن يؤثر على العالم الذي خلقه الله؟

اما بالنسبة للأسئلة الأخرى التي تخص مسؤولية الإنسان عن أفعاله يرد الأشاعرة بالشعار المعروف : “بلا كيف!” أي أن الانسان لا ينبغي له أن يطرح مثل هذه الأسئلة أبدا، إذ أنه لا يستطيع أن يدرك الأعمال الالهية.

والجدير بالذكر أن الرأي الأشعري من القضاء والقدر قد كسب الشعبية الكبرى لدى المسلمين ، وأن تلك الفكرة القديمة  تشكل جذور الفكرة السائدة حاليا لدى المسلمين من السنة خلافا لما يحدث عند اليهود، كما سنرى لاحقا.

حرية الخيار في اليهودية

“إن كل شيء منظور، والحرية متاحة”.

هكذا يصف كتاب “ماسيخيت أفوت” من الميشناة (التوراة الشفهية) فكرة حرية الاختيار لدى الإنسان. وحسب هذا المرجع الذي يعود الى القرون الأولى ميلاديا، والذي يعتبر من أقدم النصوص التي تتناول هذه القضية، فإن الانسان يعيش بنوع من التناقض الفكري، فإنه ،من جهة، حر على أن يعمل ما يشاء، لكن الرب يعلم مسبقا ماذا سيختاره الإنسان.

وحاول المفسرون اليهود على مر العصور شرح هذه المعضلة التي يبدو أنها تحمل التناقض الداخلي:

وقال الحاخام عوفديا من برتينورا (القرن الـ15) إن المقصود من كلمة “منظور” ليس “متوقع” بل وتشير هذه المقولة إلى أن الرب ينظر إلى أعمال الناس ليرى ما يفعلونه، والمقصد من “الحرية”  هو أن الرب لا يتدخل بخيارات الإنسان.

أما المفكر والفيلسوف والعالم اليهودي الأندلسي  العملاق، موسى بن ميمون (القرن الـ12)، فاعتبر أن هناك أربعة أدلة عقلية على وجود حرية الاختيار: نزول الوصايا العشر، والوعود بالثواب والعقاب، وإمكانية التعليم والتربية، وقدرة الانسان على التجهيز والإستعداد المبكرلما يفعله ، مثلا ارتداء الملابس الدافئة تجنبا للبرد الشديد. وقال بن ميمون إن هذه الدلائل تشير إلى أن الإنسان حر ليختار سلوكه، فإن كان كل شيء مكتوب مسبقا – فمن المستحيل أن يعاقب الرب الناس الذين كان قد كتب عليهم أن يرتكبوا الخطيئة. وأضاف موسى بن ميمون يقول إن  العقل البشري لا يستطيع أبدا ان يدرك كيفية انسجام هاتين الفكرتين – علم  الرب بكل شيء وحرية الاختيار، لكنه من الواضح أن الرب منح هذه الحرية للإنسان.

وفي هذا السياق فسر الحاخام لاوي بن غرشون (القرن الـ13-14) هذه المسألة معتبرا أنه عندما نتحدث عن معرفة الرب لكل شيء، فإن ماهية هذه المعرفة لا تشبه المعرفة الانسانية ، ولذا لا مجال بتاتا لطرح مثل هذا السؤال . وحسب رأيه  يمكننا القول إن الرب يعلم خيارات الانسان ولا يعلمها في آن واحد ، وإنه لا تناقض بين هاتين المقولتين، كون  طبيعة علم الرب بعيدة كل البعد عن طبيعة علم الانسان.

وبدوره رأى المفكر الحاخام حسداي كرشكاش من القرن ال14-15 إن حرية الاختيار لدى الانسان توجد بشكل بارز في إطار إرادته لكنها لا توجد دائما في إطار أعماله، أو أن الخيار دائما يمثل خيارا كاملا ومع ذلك كل إمكانياته موجودة في إطار الفكرة الإلهية الكاملة والأبدية. وعلى كل حال إن فكرة انسجام القضاء والقدر وحرية الاختيار هي الفكرة التي تحظى حاليا بإجماع كبار الحاخامات اليهود.

ومن المثير جدا للإهتمام أن اليهودية والإسلام اختارتا طريقتين مختلفتين للتعامل مع هذه المسألة الجوهرية، وذلك رغم وجود العديد من أوجه الشبه الفكري بين الديانتين السماويتين. ونظرا لكون هذه الأفكار ذات تأثير واسع على حياة الإنسان فمن المهم أن نتعرف عليها ونأمل أنكم تلقيتم نبذة مفيدة عنها في هذا المقال القصير.

تعليقات