عصر النهضة للهجات يهود الشتات بإسرائيل: بين العربية والإيديش

ما هو القاسم المشترك الذي يجمع بين اللهجة اليهودية العربية ولغات الإديش واللادينو المشتقة من الألمانية والإسبانية؟ ولماذا طوّر اليهود في الشتات لهجات خاصة بهم؟ عن هذه الأسئلة وغيرها في المقالة التالية

سمادار العاني

تعتبر اللهجات اليهودية ظاهرة فريدة من نوعها في تأريخ اللغات، حيث قام اليهود في دول الشتات بخلق لغات خاصة بِهم، تعتمد على اللغة المنطوقة في محيطهم، إضافة إلى مفردات تتعلق بتقاليدهم وفولكلورهم، كلمات مستعارة من اللغة العبرية وأمثال ومقولات متنوعة من أزمنة غابرة وعصرية على حد سواء.

لا تُعتبر هذه اللغات لهجات محلية فحسب، بل تُعتبر لغات تتمتع بدينامية وتحمل كل ما يحمله هذا المصطلح من معانٍ، نظرًا للحياة الأدبية المستقلة التي إتسمت بها خلافًا للهجات ذات طابع محلي، التي لم ترتقِ إلى مستوى الكتابة.

قد يسأل سائل: لماذا إحتاج يهود الشتات إلى تطوير لهجات خاصة بهم؟ الإجابة على هذا السؤال تعود إلى واقع اليهود في شتاتهم المختلف. تكلم اليهود بطبيعة الحال اللغات واللهجات المحلية في أماكن تواجدهم للتواصل مع جيرانهم غير اليهود، وبنفس الوقت تمسكوا باللغة العبرية بصفتها لغة التوراة والصلوات. وقد خلقت هذه الإزدواجية خليطًا مميّزًا بين اللغة المحلية ومكوّنات من اللغة العبرية، ومفردات من مختلف اللغات ليتبلور الى لهجةً خاصة باليهود، لا يفهمها السكان المحليون.

يشير فقهاء اللهجات اليهودية إلى وجود ثلاثين لهجة من هذا القبيل، مؤكدين أنّ في كل دولة عاش فيها اليهود، تم تطوير لهجة يهودية مستقلة وخاصة بهم. غير أنّ لغات الإيديش، واللادينو والعربية-اليهودية تشكل أبرز وأهمّ هذه اللهجات.

في هذا السياق، هناك من  يؤكد أنّ هذه اللهجات الثلاثة تم تطويرها إعتبارًا من القرن العاشر ميلاديًا، في حين بدأت اللغات الأوروبية واللغة العربية تتحوّل إلى لغات ذات طابع وطني، ممّا حفز اليهود على الحفاظ عن اللغة العبرية بصفتها إحدى المؤشرات لقوميتهم.

الإيديش واللادينو – لغات يهود أوروبا والبلقان

نشأت لغة الإيديش من رحم اللغة الألمانية القديمة، وبعد إنتقال اليهود من غرب أوروبا إلى شرقها خلال القرن الرابع عشر حافظوا على لهجتهم ومجتمعهم المغلق داخل المجتمعات الأوروبية. وقد أصبحت هذه اللغة رمزًا للحضارة والهوية الوطنية ليهود أوروبا.

أمّا اللادينو فقد تطورت بعد ترحيل يهود إسبانيا في عام 1492 م. وهي مزيج من اللغة الإسبانية ومفردات عبرية وكلمات مستعارة من اللغات المنطوقة في الدول التي هاجروا إليها: التركية، اليونانية والعربية. وقد تم إنتشار اللادينو في المجتمعات اليهودية في حوض البحر المتوسط، وتفرعت إلى لهجات مختلفة في أعقاب تأثر اليهود باللغات المنطوقة في بيئتهم. من هذا المنطلق تختلف لهجة اللادينو المنطوقة لدى يهود تركيا ومنطقة البلقان عن اللهجة المنطوقة لدى اليهود في الجزء الإسباني من المغرب.

كتب باللادينو

العربية–اليهودية خليط بين العبرية والأرامية واللهجات المحلية

تشكل العربية-اليهودية مجموعة من اللهجات التي كانت منطوقة لدى يهود الشتات العربي، وقد تطورت هذه اللهجات من بابل وحتى المغرب، بعد أن  إستبدلت العربية اللغة الارامية  في القرن السابع ميلاديًا. وقد تم كتابة اللهجات العربية-اليهودية بالأحرف العبرية مع إضافة سيمات خاصة للحروف العربية التي لا توجد بالعبرية.

كما كُتبت معظم الإبداعات الأدبية والفكرية ليهود الدول العربية بهذه اللهجة ومن أبرزها دلالة الحائرين للحاخام موشيه بن ميمون، وتفسيرات التوراة للحاخام البابلي سعاديه جاؤون.

تتفرع اللهجات العربية-اليهودية إلى لهجات مختلفة، كتفرع اللهجات العربية حسب الموقع الجغرافي. ومن الامور المثيرة كتابة العربية بالعبرية بخط راشي الذي كان مستخدما لدى يهود العراق كما أنّ النصوص المكتوبة باللهجات اليهودية تتسم بمصطلحات من العربية العامية، في حين حرص المسلمون على الكتابة بالعربية الفصحى. من هنا تكمن أهمية العربية اليهودية في فقه اللغة العربية البينية، أيّ مرحلة الإنتقال التدريجي من الفصحى إلى العامية. كما تتميز هذه اللغات بخصائص نحوية مثل الإمالة، ينقلب فيها حرف الألف الى ياء باليهودية العراقية: جامع تتحول الى جيمع.

صحيفة باليهودية المغربية

عصر النهضة

بدأت اللهجات اليهودية تتضاءل إعتبارًا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث بدأ اليهود الكتابة باللغات المحلية بدلًا من الأحرف العبرية. إستمرّ هذا التضاءل بعد عودة اليهود إلى وطنهم الأم  إسرائيل حيث عادت اللغة العبرية لتكون اللغة الجامعة بينهم وسط توجه حكومي لاستخدام العبرية فحسب في مطلع نشأة الدولة.

مع ذلك نلاحظ هذه الأيّام تطوّر مثير في إسرائيل، تشهد فيه اللغات الثانوية التي استخدمها الآباء والأجداد نهضة يتنامي معها الاهتمام بهذه اللغات من قبل أبناء الجيل الثاني والثالث ليهود الشتات. ورغم تضاؤل عدد الناطقين بهذه اللغات بعد رحيل الرعيل الأول، تزداد رغبة الإسرائيليين بحفاظها ودراستها عبر دورات تعرضها الجامعات وغيرها من المؤسسات سواء الجانب الفولكلوري منها كالغناء والتمثيليات او على مستوى الكتابة وقراءة النصوص.

تعليقات