قصة الموسيقى الشرقية في إسرائيل

يا ترى، ما هي الموسيقى الشرقية الإسرائيلية على وجه التحديد؟ كيف تأثرت بالألحان العربية والتركية؟ ومن هم أبرز نجومها؟ تابِعونا في هذا التقرير الذي يمتدّ ليطال 70 عامًا من الموسيقى الشرقية في إسرائيل واستمِعوا إلى عدد من أشهر أغانيها

إن “الموسيقى الشرقية” في إسرائيل، حسب تعريفها التقليدي، ما هي إلا الموسيقى المتأثرة بالأنغام الإسبانية التقليدية فضلاً عن تأثرها بالموسيقى العربية والتركية واليونانية واليمنية والمغربية بالإضافة إلى الأنغام الإسرائيلية التي كانت الهيمنة من نصيبها في الفترة ما بين عقدَيْ الثلاثينات والخمسينات من القرن الماضي  في الغناء العبري.

ويمكن الإشارة تحديدًا إلى بداية انطلاق الموسيقى الشرقية في إسرائيل وإعادتها إلى فترة ما قبل قيام دولة إسرائيل (عقدَيْ الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي)، حيث تمثلت هذه البداية بالألحان التي ألفها عدد من أبرز المبدعين في الغناء العبري العائدة جذورهم إلى كل من بولندا وأوكرانيا وروسيا. وجاءت إبداعاتهم، بما أصبح يُسمَّى فيما بعد “بدايات الموسيقى الشرقية، متأثرةً بإيقاعات كل من رقصات الدبكة الدرزية والأنغام العربية من المناطق الريفية في البلاد.

الأصوات الرقيقة للمطربات اليمنيات

أما أبرز المطربات اللائي كنّ “يُمثِّلْن” الموسيقى الشرقية في تلك الفترة السابقة لقيام دولة إسرائيل فكنّ من أصول يهودية يمنية. وكانت أشهر هؤلاء المطربات هي شوشانا دماري (كان اسمها “شادية دماري” عند ميلادها في قرية بشار اليمنية التابعة لمحافظة ذمار إلى الجنوب من صنعاء)، حيث صار الإسرائيليون يتوِّجونها بلقب “ملكة الغناء العبري”. غير أن هؤلاء المطربات أضطُرِرْن في بداية مشوارهن الفني للامتناع عن تفخيم بعض الحروف العبرية الحلقية وخاصة الـ(ع) والـ(ح)، إذ كان الكثير من أبناء ذلك العصر ينظرون إلى لفظها المشدَّد على أنه “تمرُّد” على الحركة الصهيونية ذات الجذور الأوروبية التي كان معظم الناطقين بها يفضلون تجنب تفخيم الحروف الحلقية العبرية لتشابهها بنظيراتها العربية.

غير أن خمسينيات القرن الماضي التي تميّزت بجمع الشتات اليهودي في الدولة الفتية، أحدثت تغييرًا جوهريًا هامًا في هذا المفهوم، حيث لم يعُد هناك إلحاح على المطربين المنحدرين من أصول شرقية بطلب تخفيف لفظ حرفَيْ الـ(ع) والـ(ح) وهي الحروف التي يصعب على الأوربيين لفظها، وعليه تهيَّأت الظروف لسطوع نجوم عدد من هؤلاء المطربين. وكان من أشهر هؤلاء المطربين المغربي جو عمار، الذي كان يقدّم أصلاً أغاني وتراتيل دينية، حيث اكتسح المشهد الفني الإسرائيلي بعدد من الأغاني الواسعة الشعبية.

وكان من رموز الموسيقى الشرقية في أواخر عقد الخمسينات أيضًا  “فلفل المصري” (ألبير مغربي) الذي كان قد قدم إلى البلاد من مصر، حاملاً معه الإيقاعات المصرية الأصيلة المقترنة بالكلمات والنصوص الفكاهية التي كانت تعكس بدورها بعض الصعوبات والظواهر الأبرز حضورًا في دولة إسرائيل الفتية. وكان “فلفل المصري” يتميز خصيصًا بلفظه “غير الإسرائيلي” أو بالأحرى اللفظ الذي كان متداولاً على ألسنة المهاجرين الجدد من اليهود الشرقيين الذين كانوا يحاولون الاندماج في المجتمع اليهودي المحلي الناطق بالعبرية المعيارية.

في الوقت ذاته شهد ذلك العصر ازدهار الموسيقى اليونانية، خاصة بعد وصول شاب لم يتجاوز الـ17 من العمر وكان يُدعى أريستود سايساناس إلى البلاد، على أنه غيّر اسمه فيما بعد واختصره ليصبح “أريس سان”. وتمكن هذا المطرب، بفضل معزوفاته على الجيتار، من تحديد ملامح ما صار يُطلق عليه اسم “النغمة المتوسطية الجديدة”.

وبدأ أبناء “الجيل الثاني” (الناشئين من مواليد البلاد) لليهود القادمين من الدول العربية والإسلامية، أو أقرانهم ممن وصلوا إلى البلاد في طفولتهم، ابتداءً من ستينات القرن الماضي، بتطوير الأساليب الموسيقية الجديدة. وكان أول هذه الأساليب قد نشأ تحديدًا في حي “كرم اليمنيين” بجنوب تل أبيب، حيث صار مطربون كانوا بغالبيتهم ينحدرون من أصول يمنية يبدعون بخليط موسيقي قائم على تكامل الألحان اليمنية والمغربية والعربية مع الكلمات العبرية، مع العلم أن هذه الموسيقى كانت غالبًا تُقدَّم في عروض وحفلات خاصة في بعض المناسبات والنوادي.

ميلاد مهرجان الغناء الشرقي

في أوائل عقد السبعينات من القرن الماضي تم إطلاق “مهرجان الغناء الشرقي” الذي كان عبارة عن مسابقة غنائية قائمة على الإيقاعات الشرقية الخالصة. وكان بث عروض المهرجان يجري على شاشة التلفاز الإسرائيلي ما جعله منطلقًا لاكتشاف عدد من أعظم مواهب هذا الأسلوب ومنهم أفيهو مدينة، وعوفرا حازة (المعروفة عربيًا باسم “عفراء هزاع”) وسيمي تافوري. كما انطلق في تلك السنوات أيضًا عدد من أشهر نجوم الغناء الذين بدأوا مشوارهم في النوادي، حيث تم تعريفهم- رغم تأثرهم البيِّن بموسيقى الروك العالمية – على أنهم “مطربون شرقيون”، حيث كان من ضمنهم كل من بوعاز شرعبي، وأفنير غداسي، ونيسيم ساروسي. وتألق في تلك الفترة أيضًا نجم المطربة أهوفا عوزيري، التي كانت هي الأخرى من مواليد حي “كرم اليمنيين” في تل أبيب.

ويشار إلى أن السبعينيات شهدت أيضًا إقدام عدد من أشهر نجوم الغناء الإسرائيلي ككل، ومنهم على سبيل المثال يهورام غاؤون وأريك أينشتاين، على دمج مقومات “شرقية” في أغانيهم محاولين ركوب الموجة التي كانت تُعتبر حينها “حيلة” لتحقيق النجاح الفني.

زوهار أرغوف واحتلال موقع في الصفّ الرئيسي

أما الثمانينات فاكتسبت تميّزها بفضل قصة صعود وهبوط “ملك الغناء الشرقي” (حيث ما زال هذا اللقب حكرًا عليه حتى الآن) زوهار أرغوف. وأصبح أرغوف، الذي كان في السابق مجرمًا مفلسًا، أكبر نجم على مرّ تاريخ الموسيقى الشرقية الإسرائيلية سواء في الثمانينات أو بشكل عام، منذ صدور ألبومه الغنائي الناجح “إلينور” عام 1980. وبالتالي صار أرغوف أحد المسؤولين الرئيسيين عن الاعتراف بالموسيقى المتوسطية واعتبارها جزءًا من الثقافة الإسرائيلية. وقدم أرغوف في تلك الفترة أشهر أعماله الغنائية ومنها “إلينور” و”ما لك يا بنت” و”وحيد” و”الزهرة في حديقتي”، إلا أنه بات مدمنًا على تعاطي المخدرات إلى حين إقدامه على الانتحار شنقًا في زنازين أحد المعتقلات عام 1987 مما أسدل الستار على حياته بالتوازي مع استحالته أسطورة أبدية في عالم الغناء الإسرائيلي.

وتزامن بدء أفول نجم زوهار أرغوف الفني مع صعود المطرب حاييم موشيه الذي أصبح أعظم نجوم الموسيقى الشرقية منذ أواخر الثمانينات وعلى امتداد التسعينات مقدمًا أغاني واسعة الشعبية حققت التكامل ما بين “أغاني أرض إسرائيل الجميلة” (ذات المضامين الوطنية- الصهيونية والقائمة بغالبيتها على الأنغام الشعبية الأوروبية الشرقية) وموسيقى الحفلات والسهرات التي كانت لها حينها اليد الطولى في النوادي الشرقية في البلاد. وكان حاييم موشيه أول مطرب إسرائيلي تجرأ على تسجيل أغنية باللغة العربية، ألا وهي أغنية “ليندا ليندا” التي ظلت من أعماله الأكثر شهرةً وتماهيًا مع شخصيته الفنية.

وإذا ألقينا نظرة على جنس حواء، فإن المطربة التي تمكنت من اختراق الوعي الجمعي الإسرائيلي في الثمانينات هي مرغاليت صنعاني (من مواليد اليمن) التي دمجت في أغانيها ذات الإيقاع المتوسطي بعض مقومات الموسيقى الأميركية العصرية. وصارت صنعاني نجمة بين ليلة وضحاها بفضل أغنيتها “يا شبابي عُد إليّ”. كما أصدرت المطربة عوفرا حازة في ذات السنوات ألبومها “الأغاني اليمنية” وأهدته إلى والدْيها وإلى غيرهما من أبناء مجتمع يهود اليمن، علمًا بأن هذا الألبوم صار يُباع بعد مضي أقل من عام في أوروبا ونال شهرة كبيرة.

عُرفت تلك الفترة بـ”عصر الكاسيتات” (نوع من الأشرطة القديمة)، حيث كانت كاسيتات الموسيقى الشرقية تُباع بالجملة وبأسعار زهيدة لتنطلق أنغامها من كل سيارة ومنزل سكني تقريبًا. وشهدت تلك الفترة حالة من عدم الانسجام بين ما كان يختلج في صدور جمهور مستهلكي هذه الموسيقى والمعجبين بها وبين ادّعاءات كثيرة متكررة بأن تلك الموسيقى تتعرض إعلاميًا لحالة من الإقصاء والتهميش. غير ان محطة الإذاعة الشهيرة التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي بدأت في فترة الثمانينات بالذات بتخصيص برنامج أسبوعي للغناء الشرقي، الأمر الذي أفسح المجال أمام عدد لا يُستهان به من المطربين المنتمين إلى هذا الأسلوب لعرض نتاجهم على شرائح واسعة من المجتمع الإسرائيلي. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن المطربة الشهيرة الناجحة آنذاك يردينا أرازي، التي اشتهرت خصيصًا بتقديمها “أغاني أرض إسرائيل” المختلفة بأنغامها وإيقاعاتها عن الأغاني الشرقية، قررت رغم ذلك إصدار ألبوم كامل يحتوي على الموسيقى المتعلقة بالدول العربية. وجعل هذا الألبوم، الذي صدر باسم “الخيال الشرقي”، قطاعات أوسع نطاقًا من الجمهور يطّلعون على الموسيقى القائمة على الأسلوب الشرقي المتوسطي.

زهافا بِن والعصر الذهبي للموسيقى التركية في إسرائيل

في أوائل التسعينات بدأت الموسيقى التركية تجتاح السوق الإسرائيلي حيث تألق تبعًا لذلك نجم مطربين من قبيل عوفر ليفي الذين عُرف أسلوبهم الغنائي باسم “الأغاني المكتئبة”. وكان العشرات من المطربين الآخرين يقلدون هذا الأسلوب العربي التركي في فترة عزّ نجاحه، علمًا بأنه يعتمد على السلّم الرباعي والمقامات. وأقبل المعجبون بهذا الأسلوب على شراء ألبومات عوفر ليفي التي بيعت إجمالاً أكثر من مليونَيْ نسخة منها. كما أصبح عوفر ليفي، المنحدر من عائلة ذات جذور كردية، أول مطرب متخصص بالموسيقى الشرقية يقدم عروضه منفردًا في أكبر القاعات في أنحاء البلاد. وجدير بالذكر أيضًا، بالمناسبة، أن عوفر ليفي كان قد قدم في طفولته (لم يتجاوز عمره حينها 6 أعوام) في إحدى المناسبات العائلية الأغنية الشهيرة “بهية” للفنان المصري محمد العزبي.

أما الفنانة الأبرز التي تبنّت في تلك الفترة أسلوب الموسيقى التركية فكانت زهافا بن التي استحوذت على اهتمام الكثيرين بأغنيتها المحبوبة “القليل من الحظ” مما جعلها تمثل دور البطولة في أحد الأفلام وحوّلها إلى نجمة معروفة. ويشار إلى أن زهافا بن التي تأثرت بالألحان التركية والمغربية الشعبية قدمت أيضًا أداءها لأغنية “إنت عمري” لكوكب الشرق أم كلثوم.

الأبطال الجدد للغناء الشرقي: إيال غولان وساريت حداد

أصبح البطل الجديد لأسلوب الغناء الشرقي في إسرائيل هو إيال غولان المنحدر من أصول مغربية- يمنية، إذ بات أكثر المطربين الشرقيين كسبًا للأموال واستعطافًا لقلوب الجماهير منذ عقد التسعينات وحتى أيامنا هذه. وعُرف النجاح الباهر الذي حققه غولان باسم “الثورة الجديدة” للموسيقى الشرقية التي عادت واحتلّت موقعها المرموق في قلب الموسيقى الإسرائيلية برمّتها.

في الوقت ذاته بدأت المغنية الشابة المجهولة ساريت حداد المنحدرة من أصول قوقازية تزدهر وتتألق، حيث خطفت قلوب الجماهير بأغانيها الساحرة من قبيل “مثل سندريلا” و”الكل انتهى” و”قلب من ذهب” وغيرها مما جعلها أبرز حَمَلة راية الموسيقى الشرقية في عقد التسعينات وأوائل سنوات الألفية الثانية. ويشار إلى أن ساريت حداد قدمت بعض العروض في الأردن بالإضافة إلى إصدارها ألبومًا كاملاً من الأغاني العربية باسم “الكرمل”.

صعود البوب المتوسطي

أصبحت الموسيقى الشرقية في إسرائيل خلال سنوات الألفين بمثابة التيار الرئيسي للألوان الموسيقية ككل وأكثرها عزفًا في الإعلام المرئي والمسموع. وفي الوقت الذي تأزمت فيه أوضاع الروك الإسرائيلي منذ أواخر التسعينات، فقد ازدهر مطربون شرقيون كثيرون مثل موشيك عافية، وليئور نَرْكيس، وكوبي بيرتز، وموشيه بيرتز، ودودو أهارون وغيرهم، حيث بات هؤلاء يتمتعون بالنجومية بفضل نغمات البوب ذات الإيقاعات الساحرة المتكررة، وذلك على الرغم مما تعرضوا له من انتقادات شديدة بسبب كلمات أغانيهم التي وصفها بعض النقاد بأنها “سطحية”.

وصار الأسلوب الذي يعتمده مطربو الجيل الجديد للغناء الشرقي يُعرف باسم “البوب المتوسطي” كونه يقلّد الموسيقى الغربية الشعبية ويدمجها بالموسيقى الشرقية الأصيلة. لكن مهما اختلفت الآراء حول هذا الأسلوب فمن المستحيل تجاهل النجاح الباهر الذي يحققه هؤلاء الفنانون في عروضهم كونهم يحتلون أكبر المنصات الموسيقية في البلاد، فيما يحفظ الجمهور الكبير الذي يحضر عروضهم كل “كلماتهم السطحية” عن ظهر قلب.

خلاصة القول: لقد أصبحت الموسيقى الشرقية في أيامنا الحالية جزءًا لا يتجزأ من الأنغام الإسرائيلية. أما أبرز نجومها الشباب، إلى جانب إيال غولان وساريت حداد المشار إليهما أعلاه، فهما المطرب عومر آدم والمطربة عيدن بن زاكين. وعلى الرغم مما تقدَّم، فإن “الموسيقى الشرقية” بدأت تفقد الكثير من ملامحها ومعانيها الأصلية التي تلاشت وتغيرت كليًا، وعليه فإن أهم محاور هذه الموسيقى الذي ما زال حاضرًا ما هو إلا أصوات المطربين والمطربات بإيقاعاتها المتفاوتة التي تبدو أكثر رقة ونعمومة.

(يستند هذا المحتوى إلى سلسلة من التقارير التي قدمها الباحث دودي باتيمر المتخصص بالموسيقى الإسرائيلية على صفحات الموقع الإلكتروني للقناة العاشرة الإسرائيلية).

حقوق الصور: ويكيمديا: نيوكولن، يانير سيلع، نيكولن وهاداد ليران

تعليقات