الروائية تسيونيت فتّال – يهودية تبحث عن جذورها؟

بعد وفاة والديها بدأت الروائية تسيونيت فتّال مؤلفة رواية “صور على الحائط” تكتشف جذورها، وبدأت البحث على الورق عن الحي اليهودي القديم في الرصافة ببغداد. حول ذكريات بغداد التي لم ترها حاورها مازن لطيف

مازن لطيف، حصري لموقع المغرد

أما زلت تبحثين عن هوية؟

تسيونيت فتال: “كلما سبرت أغوار تأريخ يهود العراق وتراثهم الحضاري، أصبحت أشعر باتّساع جذور هويتي اليهودية وازدادت هامتي ارتفاعاً. غير أنني ظللتُ غاضبة على مظاهر الجهل والتجاهل بل والتنكّر للماضي فضلاً عن غياب أولئك الذين يجب علينا أن نعتذر لهم على طمس هوية أجدادنا. وبالتالي لا يجوز التسليم بحالة استمرار جهل شرائح كبيرة من المجتمع الإسرائيلي بماضيها وتراثها”.

كيف تقدمين نفسك للقارئ العراقي والعربي؟

انني بنت لعائلة من مواليد بغداد غادرت الى اسرائيل عام 1951 مع معظم العائلات اليهودية في العراق بعد إسقاط جنسيتهم ومصادرة ممتلكاتهم قبل سنة صدرت لي رواية “صور على الحائط”، وتدور احداث الرواية في بغداد في النصف الأول من القرن العشرين ،هذه الرواية هي نتيجة الشوق إلى والدي اللذين توفيا فجأة قبل عشر سنوات.

في البداية حاولت أن أعود إلى بيت الاهل من خلال الحواس ونكهات الطعم ورائحة المأكولات وملذات الموسيقى واللغة، ولكن ذلك لم يكن كافيا و ظهرت الأسئلة حول ذكريات أهلي ونعمة الطفولة والبلوغ في بغداد ولم اجد أجابة عن كل تلك الأسئلة. أدركت أنه من اجل التواصل مع أبي وأمي وعائلتي لا بد لي من العودة إلى حيث ولدوا ونشأوا .وطبعا للاسف لا أستطيع ان أقوم بزيارة بغداد لاكتشف جذوري ولهذا كنت مجبرة أن أتعلم على المكان من خلال الصور وقراءة الكتب وجمع واثبات الأدلة.

واكتشفت عالما واسعا لم اعرفه من قبل وكان واضحا لي ان هذه المعرفة العظيمة – التي ظهرت واخترقت كاشعة الضوء الفراغ في قلبي – لا يمكن أن تبقى بحوزتي فحسب ولا بد لي من نقلها للآخرين، وأفضل طريقة هي ان اكتب رواية لكي امنح الجمهور حق الوصول إليها.

ما هي فكرة الرواية وأحداثها؟

الرواية تروي قصة علاقات معقدة ومتوترة تدور بين “نورية” بطلة القصة وأبناء عائلتها بسبب طموحاتها  لتحديد مسار حياتها الذاتية بنفسها ومن خلال تحرير نفسها من قيود وأغلال التقاليد المتبعة آنذاك – نجدها متمردة تغضب وتهين اقاربها بينما هم بدورهم يحاولون الحفاظ على القواعد المقبولة والمعروفة في المجتمع ومصممون على إيذائها وإيذاء ابنائها. فالبطلة “نورية” تلتقي بمطربة مشهورة كانت تخفي سرا هاما عن حياتها الماضية وبمساعدتها تدير نورية صراعا مستمرا ومتواصلا ويائسا وتحاول مع ذلك ان تحقق أحلامها.

ومن خلال قصة “نورية” المأساوية والمؤثرة وهي تكافح من اجل حق المرأة ليسمع صوتها في المجتمع التقليدي، وصفتُ هزات الحياة والصراعات التي عاشها اليهود في العراق. بسبب التغييرات السياسية والاجتماعية التي تعرضت لها دولة العراق الجديدة منذ تأسيسها، اضطر يهود شتات العراق إلى أن يتوجهوا إلى الكفاح للحفاظ على الحياة الوجودية والروحية لهم. في نهاية المطاف اضطروا إلى النزوح من الأرض التي كانت لهم جذور فيها لأكثر من 2500 سنة.

15609_10153126840949333_4076121503978470332_n

ما هو انطباع والديك قبل وبعد خروجهما من العراق؟

العراق كان بالنسبة لاهلي وايضا بالنسبة لأجيال كثيرة من أفراد عائلتي وطنا حبييا، وبعد الفراق منه بقى في قلوبهم شعور الحزن والالم من حيث انهم تعرضوا للاضطهاد وعوملوا كغرباء. العبارة “لا يسمح له بالعودة” –  يعني “روحة بلا رجعة” المطبوعة في وثائق سفرهم حرقت قلب والدي طيلة السنوات لأنها كانت تعني انه لن يتمكن أبداً من العودة إلى بغداد لزيارة المكان الذي ولد ونشأ فيه و لن يتمكن أبداً من زيارة قبور أفراد الأسرة.

بعد سقوط نظام صدام حسين كان لابي بصيص من الأمل بأنه سوف يتمكن ويعود لزيارة بغداد، لكنه للاسف الشديد توفي بعد بضعة أشهر. أنا آمل أن يأتي اليوم الذي أستطيع أن ازور بغداد وليس بشكل افتراضي فقط كما ورد في روايتي.

كيف كتبت روايتك وأنت لم تعيشي في العراق؟

صحيح انه ليست لي ذكريات شخصية من بغداد مثل الكاتبين الكبيرين ايلي عمير وسامي ميخائيل اللذين ولدا في بغداد وكتبا عنها على مدار نضوج إنتاجاتهما في إسرائيل.

لأنني لم أستطع أن أزرها لاتبع جذور عائلتي كما ذكرت في إجابتي السابقة قمت باحياء مدينة بغداد اليهودية لمصلحتي ولمصلحة جمهور القراء في إسرائيل بواسطة اجراء البحث العميق ومن خلال قراءة الكتب العلمية، والخيال ومذكرات كتبها المهاجرون اليهود من العراق. جمعت الأدلة من أولئك الذين ولدوا هناك وبحثت في الآلاف من الصور من العراق لأتعلم وافهم روح العصر. تعلمت خريطة الحي اليهودي القديم في الرصافة  في بغداد حتى أتمكن من السير في الأزقة الضيقة ورسمت هيكل البيت اليهودي في مخيلتي حتى أتمكن من صعود ونزول الدرج وزيارة غرفه. رأيت السرداب،  لعبت في ساحة البيت وتأرجحت على الجلالة  (الأرجوحة) وأخيرا نظرت إلى الدربونة من خلال النوافذ والشناشيل.

بعد ثلاث سنوات من البحث نجحت وتمكنت من العودة ولو بصورة افتراضية إلى مرحلة طفولة ومراهقة والدي في بغداد. من خلال صفحات الكتاب يمكن أن نسمع صراخ الأطفال الذين يتعلمون السباحة في نهر دجلة، وصيحات التجار في سوق حنوني (حنون) وأصوات الرجال المدخنين الجالسين في القحاوي (المقاهي) يلعبون الطاولي والدومنة. نسمع أصوات الصلوات تنبثق من “مدراش زلخه” وكنيس “الصلاة الكبيري” الذي يظهر في روايتي بكل مجده. يمكنك أن تشم رائحة الشاي والسمك المسكوف، والعمبة بالصمون والكشري وتستطيع إن تتمشى  في الأزقة الضيقة والمتعرجة في الحي اليهودي القديم وتتمتع بجمال نهر دجلة وبحدائق النخيل.

12794963_1101369143228129_2796747601178352848_o

ظهرت في الفترة الأخيرة روايات وكتب تتناول يهود الشتات العراقي، ما سبب ذلك برايك؟

في الواقع، هناك ازدهار في مجال الكتابة من الجيل الأول المولود في العراق ومن الجيلين الثاني والثالث اللذين ولدا في إسرائيل لأسر جاءت من العراق. اما الجيل الأول فطبيعة كتاباته في الكثير من الأحيان تروي ذكريات ومن خلالها يصف ابناء الجيل حياتهم في العراق، وبحسب رؤيتي  فاني اعتقد أن سبب هذه الظاهرة انهم لا يستطيعون أن يعودوا ويزوروا المكان الذي ولدوا فيه ولا يستطيعون أن يفتخروا به ويظهروه بشكل ملموس لذريتهم. أما بالنسبة لطبيعة كتابة المؤلفين أبناء الجيل الذي ولد في إسرائيل، فكتاباتهم الاولى تعود وتدورعادة حول أحوالهم وظروفهم الشخصية يحاولون فيها يتشبثوا أو أن  يسترجعوا  بعض مما فقدوه من جذورهم “العراقية”.

متزامنا مع الموقف المار ذكره، ومنذ سقوط صدام هناك العديد من الكتب والمقالات التي نشرت في بغداد عن اليهود العراقيين وفي تقديري أن هذا ينبع من رغبة المؤلفين بتصحيح الظلم الذي وقع في حق يهود العراق ورغبتهم برواية تاريخ هذا المكون المهم الذي كان يعيش في العراق منذ أكثر من 2500 سنة، عندما كان يسمى ب”بابل”. نظرا للتطورات السياسية التي مر بها العراق تعرض المجتمع اليهودي للخطر الوجودي واضطر إلى ترك البلاد واقتلع من جذوره. أرى أهمية كبيرة في نشر هذه الكتب في بغداد وخاصة في عصرنا الذي تتعرض فيه العديد من المكونات الدينية والعرقية التي تعيش في العراق إلى خطر الانقراض، مضطرة إلى مغادرته بسبب الإرهاب الموجه ضدها.

هل هناك محاولة لترجمة الرواية الى اللغة العربية، وهل لديك عمل جديد؟

أملي هو ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية لجعله متاحا للقراء في العراق حيث هناك تحصل وتدور احداث القصة وهناك ولد أبطالها وعاشوا ، ومن اجل جلب انتباه القارئ العراقي لقصة مجتمع هام كان في العراق وكان يحتوي على أكثر من 140000 شخص – مجتمع كان له دور مهم ومساهمة حقيقية في نهوض وتطور العراق في جميع مجالات الحياة.

أنا الآن أكتب كتابي الثاني وهو يروي قصة تدور احداثها في العراق وايضا في إسرائيل وفي نفس الوقت اكتب قصص قصيرة حول لقاءات وحوارات أجريتها مع العراقيين الذين يعيشون في إسرائيل وفي العراق وفي جميع  أنحاء العالم.

هل اطلعت على الأدب العراقي؟

في الفترة التي كتبت فيها كتابي اطلعت على الأعمال الأدبية للأدباء من يهود العراق الذين كتبوا باللغة العربية أمثال أنور شاؤول، سمير نقاش، يعقوب بلبول، سلمان درويش، مئير بصري وشموئيل موريه. خلال العام الماضي قرأت أيضا كتب دراسية لباحثين عراقيين تتعلق باليهود العراقيين أمثال: مازن لطيف، نبيل الربيعي د. خالدة حاتم علوان، وسأبدأ بقراءة كتاب كاظم حبيب “يهود العراق والمواطنة المنتزعة“. وأن شاء الله بعد الانتهاء من كتابة كتابي الثاني انوي أن اقرأ كتابات لادباء عراقيين من غير اليهود.

* نشر اللقاء أولا في صحيفة العالم البغدادية

تعليقات