ذكريات مع يهود العراق – لقاء لم ينشر مع زهير أحمد القيسي

دور الأدباء اليهود في العراق هو دور بارز في تأريخ الصحافة العراقية ضمن الشعب العراقي الذي أعتمد الصحافة كجزء من كلّ تأريخه الصحافي. خلال وجهة نظره لزهير أحمد القيسي نقدم لكم جزءً من هذه الذكريات

(حصري للمغرد من مازن لطيف – بغداد)

هذا حوار أجريته مع صديقي الراحل زهير أحمد القيسي وطلب مني في وقتها أن لا ينشر في أي صحيفة أو مجلة عراقية بل طلب نشره في كتاب حصراً، وبناءً على طلبه ووصيته نشرت الحوار في كتابي (مثقفون عراقيون يهود في خدمة صاحبة الجلالة الصحافة)، وأعيد نشره هنا.

كان القيسي رحمه الله على صلة حميمة ببعض أدباء يهود العراق وبالخصوص ساسون سوميخ الذي فاته في مذكراته (بغداد الأمس) أن يذكره. في هذا الحوار يتحدث صديقي الراحل زهير أحمد القيسي عن يهود العراق، بعد أن سالته (ماذا يتذكر العراقيون عن اليهود في البلد قبل الفرهود وقبل تسفيرهم القسري), فقال:

قام هؤلاء القوم بدور بارز في تأريخ الصحافة العراقية ضمن الشعب العراقي الذي أعتمد الصحافة كجزء من كلّ تأريخه الصحافي، ومن أشهر الشخصيات الصحفية التي كنت أعرفها الأستاذ أنور شاؤل صاحب جريدة الحاصد الرائعة، والقصصي المرموق ومؤسّس دار نشر، ومنهم الأستاذ سليم البصون الصحفي المتميّز الذي كان طاقة صحفية ممتازة، إضافة إلى اهتماماته الأدبية الرائعة، ومنهم نعيم طويق الصحفي المحترف البالغ النشاط، خاصة ضمن عمله الطويل في جريدة الزمان، لصاحبها توفيق السمعاني.

دور الأدباء اليهود هو الآخر دور كبير، ومن ضمنهم الشاعر إبراهيم يعقوب عوبيديا، والقصصي يعقوب بلبول المتمكّن من تكنيك القصصي الجيد، وهما من معارفي، ومنهم الأستاذ مير بصري المثقّف الكبير، وكان يكتب لي مقالات أدبية ممتازة، نشرت بعضها في صفحة (الأدب الحي) التي كنت أعدّها وأحرّرها في ستينيات القرن الماضي لجريدة الأخبار البغدادية.

هل كانت تربطك علاقات مع مثقّفين يهود عراقيين؟

نعم. كان لديّ بعض الأصدقاء منهم، مثل الأستاذ ساسون سوميخ الذي عرّفني به رشيد ياسين، وقد أصبح بروفيسوراً وأستاذاً للأدب العربي الحديث، وقد تذكرته بعد خمسين عاماً، عندما قرأت بعضاً من رسائله مع نجيب محفوظ، بعد نيله جائزة نوبل، ومنهم سامي موريه الذي كان رياضياً، إضافة إلى اهتماته الأدبية، وقد عرّفني به ساسون سوميخ.

وأتذكر – بصعوبة – صديقاً آخر هو البير قطّان، هذه الصداقات كانت موجزةً جداً؛ لأنها قامت في عام 1950 عام تهجير اليهود القسري من العراق. ومن مداعباته لسامي معلم (موريه) حينما زاره في بيته في البتاويين عام 1950 مع سوميخ: هم رياضي وهم أديب ناسي نفسه بتل – أبيب. ربما كان الشاعر المرحوم بلند الحيدري هو الذي عرّفني بنعيم قطّان.

برايك ماهو دور يهود العراق في الحزب الشيوعي العراقي ؟

في السجن (1952- 1953) تعرّفت على عدد من الرفاق اليهود السجناء، أهمّهم يعقوب بن بصري وناجي شميل وأنور حييم وإبراهيم شاؤل، وكان ناجي شميل صيدلياً، ومن رفاق الرفيق فهد، أمّا إبراهيم شاؤل؛ فهو شاب لامع ومثقّف كبير، لم أر في حياتي أحداً بمستواه الثقافي الأدبي والماركسي، ومنهم الياهو كوهين الذي اشترك مع حمزة سلمان ومحمد شرارة في ترجمة رواية ايليا اهرنبورغ السوفياتي (العاصفة) من الإنكليزية إلى العربية، ومنهم صبيح مير أخو مادلين مير، وقد قُتل صبيح في مذبحة سجن الكوت، وكان شاباً دمثاً لطيفاً محبوباً، يُحسن غناء الأغاني الريفية، وكان ذا مودّة معي، أمّا أنور حييم؛ فكان شاباً رياضياً رائعاً وسيماً، أتذكّره بوضوح على الدوام، وكان من أبطال كرة الطائرة. أتذكر مقالة بعث بها إليّ مير بصري، وأنا أعد الصفحة الأدبية في “جريدة الأخبار” البغدادية عام 1960، وقد ضممتها إلى كتاب (قمة الهاوية – الانتحار والمنتحرون)، وهي عن نيرفال الشاعر الفرنسي العظيم.

إن جميع مَن عرفتهم وذكرتهم من الأدباء اليهود كانوا معادين للصهيونية والفاشية والرجعية، وكان منهم أبطال مناضلون من أجل الاشتراكية والتقدّم؛ مثل البطل ساسون دلال والبطلة عمومة مير مصري والمرحوم يهودا صديق، ومنهم مَن صعد إلى المشنقة وهو ينشد نشيد الأممية؛ مثل ساسون دلال، وأذكر أن صديقي يحيى بابان (جيان) الأديب العراقي الرائع فاجأني في براغ عندما جاء بيعقوب ميرمصري لزيارتي، وهكذا رأيته بعد خمسين عاماً من الفراق. وكان يعمل مع جيان في الإذاعة الجيكوسفاكية، وذلك عام 1979.

وأستطيع الادعاء أنني واحد من قلائل المثقّفين العرب الذين تعمّقوا في دراسة التاريخ اليهودي، ولا أعتقد أن هناك مَن يضارعني في الاطلاع على تاريخ اليهود وأدبهم وثقافتهم من خلال اللغة العربية. أتذكر (ممّا علق بذاكرتي) أن صديقي الشاعر الشاب ساسون سوميخ الذي عرفته عام 1949-1950 كان متمكّناً من اللغة الإنكليزية، وكنا مغرمين بالشعر الرومانسي الإنكليزي، ونواظب على الكولدن تريشري (ذي سونغ اند ليركل پوئمز). ومرة، قمنا بترجمة إحدى قصائد الشاعر أرنست داوسن عن (سينارا)، وأتذكر منها هذا البيت:

أمس في الليل، حل طيفك يا سينارا، بين فيها وثغري

ملاحظة عن إبراهيم شاؤل في السجن:

كان برغم ثقافته العالية ظريفاً فكهاً، وكان يلفّ على رأسه – أحياناً – (جراوية) (يشماغ) لفّة خاصة، ويقول لنا عندما نسأله عنها: إنها لفة “عَدَام” يعني يشماغ من يذهب الى الإعدام! في إشارة لاستعداده للموت في سبيل يقينه الثوري، وأتذكر محاضرة ألقاها علينا إبراهيم هذا حول سارتر والوجودية ومسرحية الجدار عام 1952 بيّن لنا بوعي عالٍ أن الوجودية إن هي إلا فلسفة برجوازية منافية للماركسية!

أهداني أنور شاؤل عدداً من مؤلفاته بخطّه الجميل، ولازلت أحتفظ بها، وكذا مير بصري اللذين كنت أتألم عندما رأيتهما منعزلين في المربد الأوّل الذي دعاهما إليه الوزير البعثي عبد الله سلوم السامرائي!

حقوق الصورة البارزة: iraqnla-iq.com

تعليقات