ما سبب تالق ايديث بياف الجزائرية وغيرها من المغنيات اليهوديات بالدول العربية؟

برزت اسماء يهودية كثيرة مثل سليمة باشا في العراق وزهرة الفاسية فحبيبة مسيكا التونسية وليلى مراد المصرية في مشهد الغناء والتمثيل العربيين. عن سبب تألقهن تحاول الإجابة باحثة إسرائيلية من اصول مغربية

يعتبرن في الدول العربية إلى يومنا هذا بطلات يحيط بهن المجد والإعجاب على مستوى العالم، ولكن في إسرائيل لا يعرف أسماءهن سوى قلة، إنهن المغنيات اليهوديات البارزات من أمثال ليلى مراد وزهرة الفاسية ولين مونتي وريموند أبكسيس، وكنّ “يحرقن” مسارح الجزائر وتونس والدار البيضاء وبغداد وبرلين وباريس. وبتسريحاتهن “الكاريه” الجريئة آنذاك، والسجائر الرفيعة في أيديهن، كن يعتبرن رائدات المشهد الموسيقي والثقافي في بلدانهن، وبتن نجمات دوليات.

وقد برزت في بلدان المغرب والشرق الأوسط في منتصف القرن الماضي الموسيقيات والمغنيات اليهوديات الكبيرات، حيث ضمت القائمة المشرفة ليلى مراد وفايزة رشدي وزهرة الفاسية، وهي اليهودية المغربية التي كانت أول سيدة تصدر إسطوانة، وكانت تلحن وتؤلف أغانيها، ولويزة التونسية ورينات لونييز ولين مونتي وريموند أبكسيس وحبيبة مسيكا اليهودية التونسية التي كانت أول ممثلة مسرحية في العالم العربي.

ما سبب تميز المغنيات اليهوديات بالذات بين رائدات الغناء العربي المعاصر؟ تحاول الرد على هذا التساؤل شيرا أوحيون، المديرة التربوية للفرقة الأندلسية المتوسطية والباحثة والناشطة النسوية الشرقية البارزة، حيث تروي ضمن مقابلة لصحيفة “هآرتس” أنها كانت سمعت من والدها المولود في المغرب عن مغنيات الأمس الكبيرات. وتذكر كيف أنها فوجئت بكون عدد غير قليل من اليهوديات في عداد المغنيات اللواتي نلن الشهرة والنجاح، فتساءلت لماذا اليهوديات بالذات؟ والإجابة بحسب شيرا أوحيون متعددة الوجوه. لقد مر اليهود في البلدان الإسلامية بمسيرة مكثفة من التحرر من الدين اعتبارا من عشرينات القرن، وهي المسيرة التي أثرت على مركز المرأة، إذ باتت النساء يدرسن، وارتفع سن الزواج، وقوي مركز اليهود الاقتصادي وزاد انفتاحهم على الأفكار الجديدة. وتتحدث شيرا والابتسامة ترتسم على وجهها عن جدتها دينا أم والدها قائلة: “كانت مصممة أزياء، وتبدو في صور لها مثل نساء برلين الثلاثينات تماما، وكانت امرأة تسبح عكس التيار وتتابع أسلوبا بوهيميا في حياتها، وكانت تقيم الحفلات، وقد روى البعض أنها تمتلك معملا للتقطير في قبو بيتها. أما جدتي الثانية، فكانت من النساء التقليديات، ترتدي المنديل “المغربي”. وفي هذا الجو من اختلاط الثقافات واللغات نشأت المغنيات الكبيرات التي عرضهن نجاحهن وحفلاتهن الغنائية في أوروبا إلى الأفكار النسوية لذلك العهد.

ومن تلك الشخصيات المشوقة الممثلة والمغنية والراقصة حبيبة مسيكا والتي تألق نجمها لا في تونس والمنطقة العربية وحدهما، بل كانت لها مسيرة فنية دولية، وقد تبنت الموضة البارسية التي أملت على النساء ارتداء البنطلون، ما كان يعتبر بدعة في تلك الحقبة. ومن النجمات أيضا ليلى مراد المنحدرة من عائلة يهودية معروفة كان بعض أبناؤها من كبار المرتلين أثناء إقامة الصلوات اليهودية. وتقول عنها شيرا أوحيون: “كان المصريون يعتبرونها مصرية مئة بالمئة، وأيقونة ثقافية تقف في صف واحد مع عملاقتي الغناء العربي أم كلثوم وأسمهان”. وفي العراق اعتبرت سليمة باشا من عمالقة الغناء، وكانت زوجة كبير المغنين العراقيين ناظم الغزالي. وأيضا مايا كازابيانكا المولودة في المغرب وارتبطت بعلاقة مع فريد الأطرش، بالإضافة إلى لين مونتي التي عرفت ب “إديت بياف” الجزائرية، ورينات لورنييز، ابنة الحاخام اليهودي التي أصابها العمى فأصبحت عازفة عود أسطورية، وأيضا لويزا التونسية وغيرها. وتقول شيرا عن زهرة الفاسية التي تعتبر بطلة ثقافية في المغرب: “يراها رواد الثقافة المسلمون في المغرب جزء لا يتجزأ من الثقافة والذاكرة الجماعية المغربية، حيث يقدرون عاليا مساهمتها في الغناء الشعبي و‘الملحون‘”.

وفي هذا السياق يجدر الإشارة إلى الأخوين داود وصالح الكويتي، من كبار الموسيقيين العراقيين، واللذين يدأب أحد أحفادهم، وهو المغني الإسرائيلي دودو تاسا على تجديد أعمالهما في إسرائيل منذ عدة سنوات، وهو ليس لوحده في ذلك. وهناك عدد من المغنيات الإسرائيليات الشابات ممن لم ينشأن على الموسيقى العربية يعدن إلى جذورهن، ومنهن ساريت حداد التي عادت إلى الغناء بالعربية، والمغنية ريتا التي تعود إلى أصولها الفارسية، وزهافا بين التي تؤدي الأغاني العربية والتركية، والمغنية “ديكلا” التي تغني لأم كلثوم وفيروز.

وقد اكتشفت شيرا أوحيون التي درست تاريخ الجواري في البلاط العباسي أن قصة الإبداع الموسيقي النسائي الشرقي أوسع رقعة وأعمق جذورا في التاريخ مما كان يعتقد، وأن الجواري لم يكن رائدات المشهد الموسيقي في عهدهن وحسب، بل كن مَن أبدع الموسيقى العربية الكلاسيكية. وتقول إن الجواري لم ينحدرن من أصول عربية، بل كن تركيات وفارسيات وبربريات وسودانيات، ما جعلهن ينفردن في النظم والرقص والعزف والتلحين والتثقف.

وترى شيرا أن نموذج المرأة المبصرة والمثقفة والشاعرة والفنانة والمبدعة يمتد على فترة متواصلة في تاريخ الثقافة العربية، وتعترف بشغفها بالبحث العلمي المتعلق بهذا الموضوع، “لكونه يجمع بين كل ما هو أنا، أي النسوية والعروبة والإبداع، وطبعا الحرية”.

حقوق الصورة البارزة: ويكيمديا, في الصورة: ليلى مراد

تعليقات