فيلم ظل في بغداد: قصة من ارض الرافدين

لا يقف فيلم “ظل في بغداد” في محطة بعينها، هو نسخة فردية حديثة من التيه اليهودي في صحراء سيناء 40 عاما، فليندا بطلته تبحث عن نفسها من خلال البحث عن أبيها، وكاميرا المخرج “دوكي درور” تدور على غير هدى بحثا عن محطة. الفيلم انتج اصداء مدوية حيث عرض، في الولايات المتحدة الامريكية، في لندن، في برلين وفي محطات اخرى كثيرة.

حين بكت الصحفية العراقية الإسرائيلية  ليندا منوحين عبد العزيز مرت في خاطري سراعا  قصص ملايين العراقيين المعذبين، ومثلها قصص مئات ألوف العراقيين الذي غُيبوا لأعذار تقود دائما الى بيت الرئيس وهو يقتل العراقيين والكويتيين والايرانيين، وحتى الأمريكيين في مركز التجارة العالمي بنيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن وصولا الى “قضية العرب الكبرى” فلسطين. ومن ضمن من غيبتهم إرادة “فارس الأمة” دعما لقضية العرب الكبرى كان المحامي يعقوب ابراهيم عبد العزيز، الذي دخل قصر النهاية في شباط/ فبراير 1972، ولم يخرج  منه (وسماه البعثيون قصر النهاية إمعانا في إرعاب الشعب العراقي المشاكس!).

الفيلم يمر سراعا على تلك التفاصيل وهو يزاوج بين الأسلوب الوثائقي بلقطات يؤديها أبطال الحدث  وليس  نجوم السينما، وبين السينما الحديثة حيث القطع وليس الاسترسال هو من يصنع فيلما. تغيب النفوس الشابة عن الفيلم تماما، فكل من يظهرون على الشاشة جاوزوا الخمسين، وهذا يؤشر نوستالجيا تخالط  ارواح الإسرائيليين الذين يحلمون برائحة الشتات العراقي الممزوجة بمياه دجلة.

بهذا الخليط يلهث المشاهد وراء قصة بطلته الإسرائيلية التي تصر من خلال بحثها عن أبيها على أنها عراقية، فرابطتها بالعراق تمر من برزخ العذاب نفسه، تهجير قسري ليهود الرافدين كما يحصل اليوم مع المسيحيين والصابئة والأيزيدية، وعلى مدى اوسع، مع الشيعة في مناطق السنة والعكس ايضا. تفكك العائلة وفقدانها كل ما تملك، كما يجري مع كل العراقيين منذ عقود طويلة. نظام الرئيس يصادر أموالهم ويطردهم من بيتهم وينزع عنهم هويتهم العراقية. ألم يحدث هذا مع الكرد الفيلية ومع من اتهموا بالتبعية الايرانية؟ الهمّ والعذاب قاسم يجمع كل العراقيين وليندا ليست استثناء.

ظل بغداد الغامض

في عالم الانترنيت الافتراضي التقت ليندا بعراقي غامض حدثها من بغداد بعد أن نزعت الولايات المتحدة صداما عن عنق العراقيين، فبدأ الظل حديثه معها عن ابيها، وعرض مساعدتها بشتى السبل. هو يريد مخلصا أن يمسك برأس خيط يقود الى أبيها، وهي تهرب من يأسها الى “ظل من بغداد” قد يقيها لهيب تموز العراق الجاحد. مفردات السياسة لا تتيح لهما اأن يلتقيا في العراق أو في اسرائيل، لكنهما يلتقيان في النهاية في الأردن كحل وسط، ويتبادلان المعلومات عن المحامي المغيّب.

من شظايا الذكريات وبضع رسائل كُتبت بشكل مرموز يحاولان أن يجمعا خيوط قصة، فتمر كاميرا درور على واقعة إعدام اليهود عام 1969 بعد وصول البعث الى السلطة مرة ثانية  في العراق، وتكرر ليندا أنّ القصد من كل ذلك كان العثور على كبش فداء يعلّق الحكام عليه هزيمتهم في 1967. كما سعى البعث الى ترويع العراقيين بهذا المشهد، اثنتا عشرة جثة تتأرجح معلقة في ساحة التحرير بقلب بغداد، فيما تحشد نصف مليون عراقي وهم يصفقون للحدث ويرقصون على موسيقى الحبال. في لقطة مؤرشفة يتحدث معلق باللغة الانكليزية قائلا “انهم خضعوا لمحاكمة صورية قبل اعدامهم”، وهو أمر يثير مفارقة مرة، فملايين العراقيين قُتلوا بصمت، ودُفنوا جماعات دون محاكمة، وبقرارات إعدام ميدانية نفذها متعطشون للدم، لكن من حق ليندا المُفارقة لوطنها الأول أن تحكي قصة ألمها الطويل حتى اذا شابهت تفاصيلها مفردات ملايين القصص الاخرى.

بضع وقائع في الفيلم تُشعر المشاهد أنّ الحياة تُبعث من جديد في العلاقات بين إسرائيل وبين بعض جيرانها، وقائع تتحدى محظورات التيارات القومية التي صاغت المشهد السياسي العربي على مدى عقود طويلة. في المقابل، فان تظليل وجوه العراقيين المعنيين بتفاصيل موت يعقوب عبد العزيز غير المُعلن حرصا على سلامتهم يبعث في النفوس شعورا بالخيبة واليأس من تطور بين أبناء المنطقة قد ينزع عنهم قيود خلافات السياسة.

تعليقات