الدي.جي – الموضة الجديدة التي تكتسح سوق الحفلات لدى اليهود المتشددين دينياً

خلافاً لما كان سائداً في الماضي، حيث كان المطربون أو الفرق الغنائية أبطال الحفلات، أخذت ظاهرة دعوة الدي.جي لحضور الحفلات تزداد انتشاراً لدى شريحة اليهود المتشددين دينياً (الحريديم) في إسرائيل، علماً بأن الدي.جي يأتي إلى الحفلات مزوداً بالمعدات الإلكترونية وأدوات الإنارة وقوائم الأغاني الأكثر تنوعاً بأساليبها الموسيقية لبث البهجة في قلوب المحتفلين.

وقال الدي.جي روعي هاروش المتميز بطول فترة إبداعه (أكثر من 12 عاماً) في صفوف هذه الشريحة السكانية ذات الخصوصية والذي يُعتبر أحد مقدمي الأغاني الأوسع شعبية لديها: “تختلف المناسبات لدى المتدينين عن سواهم كون غير المتدينين يعتبرونها (حفلة) فيما يعتبرها المتدينون (فرحة)، ما يعني أن الموسيقى تأتي لنشر الفرح في القلوب.. حيث يُعدّ مجرد حضور المناسبات المبهجة (فريضة دينية) مما ينعكس في سلوكيات الناس، علماً بأن المناسبات الدينية تشهد الانفصال بين الجنسيْن ويقوم الرجال أيضاً بتحقيق (الفرح) للعروس”.

أما الساحة المخصصة للنساء فتعمل فيها حصراً مقدمات الأغاني من الجنس الناعم حيث تؤكد إحداهنّ وهي يهوديت نويمان-ليبي أن “التوراة تحتم علينا الفرح.. ولا تبقى أي من النساء اللواتي يحضرن الحفلات بمشاركتي جالسة [أي ينضممن جميعاً إلى حلقات الرقص].. وعندما أستطيع تحقيق الفرح والبهجة أشعر بقدر لا يصدَّق من الارتياح”.

الرميكس المختلط: بين الأغاني “الحسيدية” والشرقية

يبدو أن عالم (الحريديم)، بعد أن لحق بركب موضة مقدمي الأغاني في الحفلات، لم يتخلف أيضاً من حيث الأساليب الموسيقية المتعددة الجاري تقديمها في حفلاته بما يشمل رميكسات آنية تختلط فيها موسيقى الترانس والغروف بالإضافة إلى “نُسَخ حلال” (أي معدَّلة بما يلبي متطلبات الشرائع الدينية) لكافة الأغاني واسعة الانتشار التي يرقص المحتفلون على أنغامها.

غير أن الموسيقى المقدمة في حفلات اليهود المتشددين دينياً ما زالت محكومة ببعض القيود والضوابط الدينية. إذ صرح هاروش جازماً بـ”أنني لن أقدم أغنية لمطربة من النساء” (انسجاماً مع تحريم إطلاق أصوات النساء علناً وفق الشريعة اليهودية تمشياً مع المقولة المعروفة “صوت المرأة عورة”). ثم أضاف قائلاً: “إنني آتي من عالم اليهود الشرقيين (السفاراديم) المتشددين دينياً وأعرف جيداً أنواع الموسيقى الحسيدية (“الحسيديم” هم شريحة كبيرة من تيارات اليهود المتشددين دينياً) والشرقية وأجيد خلط الرميكسات منها لأستخدم أساليب موسيقية مختلفة”. ويشار إلى أن هاروش لا يكتفي بخلق نُسخ غنائية معدَّلة للأغاني المعروفة بل عمد مؤخراً إلى تسجيل مقطع (ترانس) بصوته تضمن الكلمات الخالدة عن رب العالمين المقتبسة من كتب الصلوات اليهودية: “إنه أبونا، إنه ملكنا، ولا يوجد أحد من دونه”، لكن التسجيل احتوى أيضاً على مقطع بصوت الحاخام الراحل عوفاديا يوسيف (أهم المراجع الدينية في العقود الماضية لدى اليهود الشرقيين) مما أثار مشاعر متناقضة لدى أنصار حزب شاس الديني (الذي تأسس برعاية الحاخام الراحل وما زال ملتزماً بعقيدته).

ونوه هاروش إلى أن “موسيقى الترانس أصبحت مؤخراً تمثل التيار الرئيسي لدى شريحة اليهود الحريديم ليتم تقديمها في جميع المناسبات والحفلات، حيث كنت أرغب في تحقيق شيء ما يدمج فيها صلواتنا، اقتداءً بحقيقة كون الموسيقى اليهودية برمتها مستوحاة من الصلوات والأدعية”.

غير أن هاروش أكد مجدداً عزمه على تقديم موسيقى الترانس التي تتّسق مع معايير الحلال اليهودي، حيث قال في هذا السياق: “يهوى الجيل الناشئ [لدى الحريديم] التنوع الموسيقي الذي لا يخلو حتى من موسيقى الهاوس والترانس، علماً بأن الأمر أكثر إثارةً وأشدّ اغتباطاً بالنسبة للمحتفلين. ولا مانع شرعي يحول دون الاستماع إلى الموسيقى. فإذن، لما لا؟ إننا نمثل جيلاً جديداً فالأمور تمضي قدماً ويمكن استقدام العالم المعاصر حتى إلى هذه المواقع الجديدة. ولديّ ستوديو خاص بي أمارس إبداعي فيه، وكنت قد درست هذه المهنة في كلية PBM لأتعامل حالياً مع البرامج المتخصصة الأكثر تقدماً، غير أنني كثيراً ما ألجأ إلى الاستفادة من الموسيقى الحسيدية (اليهودية التقليدية الشائعة لدى بعض تيارات اليهود المتشددين دينياً كما سلف) كونها ذات إيقاع مميز يليق بطبيعته بحفلات الرقص”.

ويعتبر هاروش نفسه جسراً موسيقياً يسمح لليهود المتشددين دينياً بتبني الموسيقى الواردة من عالم اليهود غير المتدينين (العلمانيين). ويشار إلى أن هاروش عالم ببواطن كلا العالميْن كونه قد نشأ في أسرة متشددة دينياً ثم ترك الدين لبعض الوقت قبل عودته إليه في السنوات الأخيرة.

“نوع جديد من المشاهير لدى شريحة المتشددين دينياً”

أما الأغاني الموسيقية المقدمة للنساء في الحفلات والمناسبات فيقدمها حالياً عدد لا بأس به من النساء الدي.جي. وكانت السيدة نويمان- ليبي (35 عاماً ولديها ابنان) المنتمية بنفسها إلى أحد تيارات اليهود المتشددين دينياً رائدة النساء المتشددات اللائي يمارسن هذه المهنة، حيث قالت بهذا الخصوص: “إنني أولاً معلمة ولديّ خبرة ممتدة لـ17 عاماً من العمل في وزارة التربية والتعليم وتحديداً في مدرسة دينية رسمية في مدينة الرملة.. وكنت معلمة للرقص، كما كنت أقدم الكثير من الدورات في أوقات الفراغ.

غير أن إصابتي بكسر الكاحل قبل عقد من السنوات حالت دون استمراري في الرقص، ما جعلني أبحث عما يتيح لي تحقيق شوقي للموسيقى والحركة. وكنت السيدة الوحيدة، والممثلة الوحيدة لقطاع اليهود المتشددين دينياً، في الدورة التي شاركت فيها في كلية PBM، وعندما بدأت بممارسة هذه المهنة كان الأمر غريباً جداً وكان الجميع يستغربون ويتساءلون كيف سمح لي زوجي بالعمل في السهرات.

غير أن المهنة اخترقت شيئاً فشيئاً جدران عالم اليهود المتشددين دينياً، لتتكون حالياً مجموعة تضم 30 امرأة من مقدمات الأغاني. وهناك طلب شديد على الانخراط بهذه المهنة خاصة فيما يتعلق بتقديم الأغاني في حفلات (بات – مِتْسْفا) (الحفلات المقامة عند بلوغ الصبايا سن 12 عاماً مما يوحي بانتقالهن من الطفولة إلى البلوغ) والمناسبات الأخرى الخاصة بالنساء حصراً. غير أن هناك أيضاً مناسبات لا يقتصر حضورها على النساء ويتم وضع (حاجز أو ساتر) يحول بين المحتفلين الذكور والإناث فيها، ما يعني بالطبع أنني سأحتل موقعي دائماً إلى جانب النساء بكل ما أحمله من معدات”.

حقوق التصوير: روعي هاروش

تعليقات