تل أفيف – تاريخ مدينة لا تنام

تمثل مدينة تل أفيف بناطحات السحاب والشواطئ البيضاء ومشاهد الحفلات الليلية وصناعة الهاي-تيك التي تعج بها إحدى أحلى مناطق إسرائيل، وليس من المفاجئ أنها تجذب وتلهم قلوب زوارها سياحا واسرائيليين على حد سواء

أوهاد مرلين / حصري للمغرد

أقيمت مدينة تل أفيف (التي تلفظ بالعربية تل أبيب) في عام 1909، أي قبل تسعة وثلاثين عاما من اعادة  دولة إسرائيل، وقد بناها يهود من مدينة يافا رغبوا بإقامة مدينة يهودية جديدة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط. ورغم إقامة أحياء يهودية جديدة في مدينة يافا  بنهاية القرن الـتاسع عشر، واقام معظمها يهود عادوا لإسرائيل من الشتات في بلدان شمال إفريقيا واليمن، فإنّ قصد أولئك المبادرين كان إقامة مدينة يهودية تنسجم مع تصور بنيامين زئيف هرتسل عن الدولة اليهودية، إضافة لرغبتهم بفك الاعتماد اليهودي الكامل على الاقتصاد العربي، لذا يطلق عليها “أول مدينة عبرية”.

في البداية أطلق على المدينة الجديدة اسم الشركة المسؤولة على بنائها، والتي كانت تسمى ب”أحوزات بيت”، وفي عام 1910 قرر المواطنون تغيير اسمها، وكان بين المقترحات لاسم جديد “هرتسليا” على اسم هرتسل، وعبريا، ونافي يافو (“واحة يافا”)، لكن في النهاية اختار المواطنون اسم “تل أفيف” والذي يعني “تلة الربيع” إشارة لترجمة كتاب هرتسل “ألتنويلاند” والذي شرح فيه رؤيته بالنسبة للدولة اليهودية المستقبلية.

حقوق التصوير: بيكيويكي

وافاض المقتحرون بأنّ “التل” يشير إلى الماضي الحزين لبني اسرائيل و”الربيع” يشير إلى المستقبل المزدهر، كما وأن تل أفيف كانت بأصلها مدينة بابلية قديمة نزح إليها اليهود بعد دمار الهيكل الأول، واسمها مذكور فعلا في الكتاب المقدس (سفر حزقيال الإصحاح الثالث).

قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى سكن تل أفيف نحو 140 عائلة فقط، و خلال الحرب في عام 1917 هجّرت السلطات العثمانية سكان تل أفيف بالإضافة إلى سكان يافا اليهود ما أدى إلى وقف البناء والتطور في المدينة، لكنهم عادوا إلى بيوتهم في نفس العام بعد انتصار القوات البريطانية. وفي ثلاثينيات القرن العشرين منح البريطانيون تل أفيف صفة “مدينة” بدلا من “بلدة”. ومع تأسيس دولة إسرائيل قررت الحكومة توحيد المدينتين تل أفيف ويافا في إطار بلدية واحدة ومجلس بلدي موحد، تل افيف اليوم

وفقا لبيانات مكتب الاحصاء الإسرائيلي المركزي، يعيش اليوم في مدينة تل أفيف نفسها نحو 414 ألف ساكنٍ، لكن في محافظة تل أفيف الكبرى يعيش نحو 1.4 مليون نسمة، وتشكل المدينة الكبرى جزءاً من منطقة المركز في اسرائيل والتي يعيش فيها نحو 3.5 ملايين نسمة. ومن ناحية المساحة تحتل تل أفيف المكان الثاني على المستوى الإسرائيلي، بعد أورشليم، حيث تبلغ مساحتها 51 ألف دونم.

المدينة هي مقر لمؤسسات إسرائيلية مهمة جدا بما فيها المسرح الوطني “هابيما” والمراكز المصرفية الوطنية، والأوركسترا الوطنية والبورصة الإسرائيلية. كما وتقع في تل أفيف معظم السفارات الأجنبية بشكل مؤقت لحين حل الخلاف حول العاصمة التاريخية اورشليم.

من الناحية السياسية تل افيف هي الأكبر، وهي تستضيف أكثر من مليون سائح سنويا وتعرف في أيامنا بالمدينة التي لا تنام بسبب مشهد المقاهي والحفلات والنوادي الليلية. وفي عام 2003 مررت اليونسكو قرار الاعتراف ب”المدينة البيضاء” في تل أفيف، وهي منطقة في المدينة بنيت على شكل “الطراز الهندسي الدولي”، كموقع تراثي عالمي.

ومن المعالم الأكثر شهرة في المدينة، أبراج “عزريئيلي” المثلث والمربع والدائري، والمدينة البيضاء السالف ذكرها، وشواطئها الجميلة التي يمر فيها متنزه “تيشتش” الفاتن، وجامعة تل أفيف وهي أكبر جامعات البحث في إسرائيل، وجادة “روتشيلد” الخضراء، وبارك نهر “ياركون” والذي يطلق عليه “الرئة الخضراء للمدينة”، و”سوق هاكارمل” الجذاب والمتنوع، بالإضافة لميدان رابين والذي يمثل ساحة سياسية حرة ومقرا لتظاهرات عديدة.

حقوق التصوير: بيكيويكي

ومن الناحية الاقتصادية تمثل تل أفيف محركا كبيرا للإقتصاد والصناعة في إسرائيل كونها توفر نحو 371 ألف فرصة عمل (أي 13% من العاملين على المستوى الإسرائيلي)، ومنذ ثمانينات القرن العشرين تطور فيها قطاع الهاي-تيك حيث تأسس ما يعرف ب”سيليكون وادي” إشارة ل”سيليكون فالي” الأمريكي.

حين يتأمل المرء تلك المدينة الجذابة الناشطة التي قامت إثر حلم صغير أنتاب عددا قليلا من اليهود قبل 108 أعوام، لا شك أنّ من المثير للإلهام أنّ تل أفيف أصبحت مركزا اقتصاديا سياحيا مهما في دولة إسرائيل، يرحب دائما بالزائرين مختلف انحاء العالم.

تعليقات