الشاعر الوطني الإسرائيلي بين التوجه الديني والعلمانية: حاييم نحمان بياليك

كيف أصبح فتى قروي مرت عليه طفولة قاسية شاعرا وطنيا  في إسرائيل؟ نتعرف على تاريخ وشخصية حاييم نحمان بياليك، أحد أعظم الشعراء العبريين، إذ دمج العوالم المختلفة التي مر فيها في مراحل حياته ليترك بصماته على الثقافة والتربية واللغة العبرية المتجددة في أرض إسرائيل

حصري لموقع المغرد/أوهاد مرلين

الطفولة القاسية

ولد بياليك عام 1873 في قرية صغيرة في الامبراطورية الروسية، (أوكرانيا العصرية). وعندما كان عمره 7 سنوات فحسب،  أفلست عائلته، ما أجبرها على الإنتقال إلى مدينة جيتومير المجاورة، حيث اضطر أباه لافتتاح حانة في بيتهم. وتأثر بياليك  كثيرا من مشاهدة أبيه في مواقف مذلة ومهينة من قبل الزبائن الثملين المعادين للسامية. وبعد عدة سنوات فقط توفى أباه حزنا واضطرت أمه إلى طلب المساعدة من ائلتها في تربية الأطفال فوزعتهم بين أقاربها.

وانتقل بياليك إلى بيت جده العجوز، حيث تعلم بنفسه الكتابة والقراءة. واستدعى جد بياليك معلمين خصوصيين لأجل حفيده، درّسوه تعاليم التوراة والأدب والموسيقى وحتى الشطرنج. كما وتعرف بياليك في بيت جده على كتابات مختلفة لأوائل المفكرين الصهاينة، بمن فيهم الشاعر يتسحاق ايبوش بيرتس والأديب شالوم أبراموفيتش والمعلوم ب”ماندلاي بائع الكتب”، وتأثر بكتاباتهم كثيرا.

وعندما كان عمره بين 13-15 تعلم بياليك لوحده في مدرسة دينية يهودية في جيتومير التي هاجر اليها، ثم توجه لمواصلة تعليمه في معهد ديني عالي في مدينة فولوجين وهو  في ال 17 من عمره، غير أنه أصيب بخيبة أمل، بسبب التركيز على دراسة التلمود دون العلوم الدنيوية . تفرغ في المعهد لقراءة الشعر والروايات الروسية، كما خاض تجربة كتابة الشعر باللغة العبرية. والجدير بالذكر أن الفتى بياليك، دون أن يدرك في حينه، كان أول الكتاب العبريين في كل الأزمنة الذي نظم شعره بدمج المقاطع اللفظية مع الإيقاع والنغم، وهو العلامة الفارقة في إنتاجه الشعري.

إنطلق بياليك إلى مدينة أودسا، التي اعتبرت آنذاك مركز الثقافة والتنوير في شرق أوروبا، حيث تعرف على كتابات المفكر الصهيوني الشهير، آشير غينزبرغ “أحاد هاعام”، وتأثر به جدا. وفي أودسا أسس بياليك مجموعة من خريجي المعاهد الدينية العليا كانوا يكتبون مقالات مختلفة حول فكرة الوطنية اليهودية – الصهيونية، والاستقرار في أرض إسرائيل، كما ونشر في أودسا أول اشعاره  في مجلة “بارديس” الأدبية الشهيرة.

التأثر بأعمال العنف

وفي عام 1903 ذهب بياليك إلى مدينة كيشينيف الروسية لتوثيق تداعيات أعمال شغب عنيفة ضد الجالية اليهودية، والتي أسفرت عن موت العشرات وإصابة المئات. وكان المشهد المؤلم مصدر الهام لأحد أبرز أشعاره، “في مرج القتل”:

قم، إذهب إلى مدينة القتل، وادخل المنازل،

لترى بعيونك وتلمس بيديك السياجات،

وعلى الأشجار والحجارة وطين الحيطان

الدماء الجامدة والأدمغة المتصلبة للشهداء…

وبآلاف السهام الذهبية تشظ الشمس كبدك

وتنشطر سبعة شعاعات من كل شظية زجاجية ابتهاجا بضرائك،

والرب قد استدعى الربيع والذبح معا

الشمس قد زهت، والطلح قد زهر، والسفاح ذبح…

وأثار الشعر ضجة كبيرة في العالم اليهودي بسبب الوصف القاسي، إضافة لاتهام بياليك الضحايا اليهود بتداعيات أعمال الشغب، لعدم تمكنهم من حماية أنفسهم.

بعد زواجه، هاجر بياليك بمعية زوجته  إلى أرض إسرائيل عام 1924، حيث استقرا في مدينة تل أبيب. وبالرغم من غضبه على العالم المتدين، فإن بياليك لم يترك الثقافة والدين اليهودي تماما، بل وتمسك بإنعاشه وإعادة إحيائه، حيث جمع قصصا جميلة من التلمود ليضع “سفر ههاجادا” أي “كتاب الأساطير”، ونظم لقاءات ثقافية وأدبية.

كتاباته المختلفة

وعلى مر السنوات ألف بياليك مئات الأشعار والكتابات والحكايات، تناولت مواضيع متعددة، بما فيها الحب والشباب المفقود لديه، مثل الشعر المشهور “هاخنسيني تحت كنفيخ” (“أدخليني تحت أجنحتك”):

أدخليني تحت أجنحتك

وكوني لي أما وأختا

ليكن حضنك ملجأ رأسي

عش صلواتي النائية

 

وفي وقت الرحمة، خلال الغروب

انحني فأكشف لك سر معاناتي

يقولون: ثمة شبيبة في العالم،

أين هي شبيبتي؟

 

وبسر إضافي اعترف لك

نفسي حرقت في الأشهب

يقولون: ثمة حب في العالم،

ما معنى الحب…؟

كما وكتب كثيرا عن عالم المعاهد الدينية الذي تركه بعد أن اعتبره مهملا وعقيما، وركز أيضا على كتابة القصص والأغاني للأطفال، وحتى الأغاني الوطنية القومية لتشجيع الشعب اليهودي على العودة إلى وطنه وبناء حياته المتجددة هناك، مثل “المتطوعون في الشعب”:

اكشفوا الضوء، اكتشفوا النور!

اذا كانت جبال السهرة تراكمت علينا

لم يتلاش بعد كل الأشرار، لم تطفأ.

من جبال السهرة سوف ننحت الأشهب،

من نقب الحجار – آلاف اليواقيت.

على أرضية الشعب وفي أعماق نفسه

سوف تزهو وتتلألأ قداسته.

هوذا، تجمعوا معا للعمل الكبير!

لنزيل معا جبال السهرة، لنزيلها!

لنكشف طبقات النيران الكبرى!

يا أبناء المكابيين!

أوقفوا شعبكم، إنهضوا بالجيل!

اكشفوا الضوء، اكتشفوا النور!

توفى بياليك عام 1934 اثر عملية جراحية في مستشفى في فيينا. ويعتبر بياليك في أيامنا هذه الشاعر الوطني الإسرائيلي، بسبب  انتاجه الأدبي الغزير والمواضعي المتنوعة التي طرقها في أشعاره وقصصه، تاركا بصمة بارزة في قلب الثقافة العبرية المتجددة في أرض إسرائيل.

حقوق الصورة البارزة: ويكيبديا

تعليقات