الأسطورة فلفل المصري: نجم في مصر وإسرائيل

كان من أشهر رواد الغناء في إسرائيل خلال عقد الخمسينيات من القرن الماضي وكانت عروضه وأغانيه تحمل روح الفكاهة المصرية تُضحك المواطنين وتخترق جدران الإذاعة. أخيراً ألبومه متاح على موقع يوتيوب. لا تفوتوه!

كان الفنان الملقب “فلفل المصري” قد وُلد في القاهرة عام 1928 وكان اسمه ألبرت أفرامينو (أفراهام) مغربي. وكانت أسرته معروفة بارتباطها بالموسيقى حيث كان والده يوسيف شالوم مغربي عازفاً على العود وعازف بيانو شهير قدم عروضاً أمام العاهل المصري آنذاك. وانجذب مغربي إلى الموسيقى منذ الصغر ثم أصبح يحتل موقع “الفتى المعجزة” في عالم السينما المصرية خلال أربعينيات القرن الماضي. وقد جاء انخراطه بهذا العالم مصادفة وكأنه ضرب من خيال “قصة سندريلا”، علماً بأنه كان يرافق والده في أحد عروضه حيث اكتشفه أحد المخرجين المصريين الذين كان يبحث عن فتى يتقمص دور شخصية تدعى “فلفل” في أحد أفلامه، وهكذا التصق به هذا اللقب حتى آخر أيامه. وحقق الفيلم المذكور نجاحاً واسعاً ما جعل الفتى مغربي ابن الحي اليهودي في القاهرة نجماً من نجوم السينما المصرية يمثل أدواراً مختلفة في عدد من الأفلام الناجحة خلال عقديْ الأربعينيات والخمسينيات.

مقاطع كومييدية باللغة العربية

رغم النجاح الذي حققه في مصر إلا أن مغربي قرر أن يترك المجد خلفه والهجرة إلى إسرائيل عام 1954 مع زوجته ميري (مريام) مغربي. وبدأ مغربي، فور وصوله إلى البلاد، يقدم عروضه في مقاهٍ محلية من خلال الأغاني والمقاطع الكوميدية باللغة العربية، فيما كان يرافقه حينها صديقاه القديمان من مصر عازفا الكمان فيليكس ميزراحي وألبرت شطريت.

وفي أواخر الخمسينيات، وبعد أن ازدادت شعبيته لدى أبناء الطوائف اليهودية الشرقية في البلاد، دُعي مغربي لتقديم الغناء في برنامج “شهرزاد” الذي كانت محطة إذاعة “صوت إسرائيل بالعربية” تبثه بمشاركة المطربين من اليهود الشرقيين. وبالتالي تبنى مغربي مجدداً لقب “فلفل” الذي كان من نصيبه في مصر، لكنه قرر إضافة مفردة “المصري” إليه ليصبح “فلفل المصري” على اعتبار أن فناناً آخر شارك في ذاك البرنامج كان يدعى “فلفل المغربي”.

وقد تميز فلفل المصري دائماً بحدس استشراف المستقبل ما جعله يتخذ قرار الانتقال للغناء باللغة العبرية لمخاطبة الجمهور الإسرائيلي الأوسع. وجنّد لهذا الغرض صديقه ألبرت شطريت الذي تولى تحديداً كتابة الكلمات فيما بدأ فلفل المصري نفسه يستنسخ إيقاع الأنغام المصرية التي كان قد شبّ عليها لتتواءم مع اللغة العبرية. وكانت أغانيه تتناول المواقف التي تعرض لها في حياته الشخصية وأيضاً الأوضاع الاجتماعية بمجملها كما كانت عليه في عقد الخمسينيات. وكان موضوع أغنيته العبرية الأولى التي أطلق عليها اسم “الكل بالأقساط” يدور حول زوجته التي تبذر الأموال. وحظيت هذه الأغنية، بفضل لحن المغني في اللغة العبرية وروحه الفكاهية وصوته الذي كان يوحي بغرابته، باهتمام شديد وأصبحت من أشهر الأغاني في تلك الفترة، ما جعل الفنان فلفل المصري محلّ إجماع لدى الجمهور الإسرائيلي لتلقى أغانيه القبول الحارّ ويفتح لها المستمعون أبوابهم على مصاريعها.

مشاكل الناس في قلب الفكاهة

وكانت الإذاعة لا تكف حينها عن بث أغانيه وكان الطلب على حضور عروضه وإنتاج العديد من أغانيه واسعة الانتشار يتزايد باستمرار. وذكر الموسيقار يتسحاق أفيعيزير، الذي كان من مؤسسي “صوت إسرائيل بالعربية”، في حديث لصحيفة “معاريف”، أن فلفل المصري كان “يتميّز بحسه الموسيقي المرهف ما جعله يُبدع ويبتكر موجة جديدة غير مسبوقة، إذ يمكن القول فعلاً إن أغانيه كانت منطلقاً لموجة الغناء الشرقي في البلاد”. وتبعت أغنية “الكل بالأقساط” أغانٍ أخرى شهيرة من قبيل “فرحة كبيرة الليلة” التي ما زالت تقدَّم في كل حفلات الأعراس وغيرها تقريباً وكذلك أغنية “مرتي بدها تتعلم كل شيء”. كما كان فلفل المصري يدمج في أغانيه مقاطع مضحكة حيث كان يقلد المهاجرين اليهود الجدد من مختلف الطوائف رجالاً ونساء مما كان يضفي على أغانيه طابع المزاح ويجعلها شبيهة بعروض الستاند أب كوميدي التي كانت تغيب تماماً عن المشهد الفني الإسرائيلي في تلك الفترة.

وقد أصدر فلفل المصري عام 1960 أسطوانته الأولى والوحيدة التي صارت مَعْلماً رئيسياً للموسيقى الشرقية الطلائعية، حيث شملت الأسطوانة مجموعة من أغانيه المعروفة وعدة أغانٍ أخرى ذات اتجاه ساخر حول المشهد الإسرائيلي.

ويشار إلى أن مغربي لم يعتمد في أي فترة على الموسيقى والفن كمصدر رئيسي للرزق حيث كان يقدم عروضه ليلاً في الوقت الذي كان يمارس العمل  نهاراً في صيدلية بتل أبيب ثم فتح مصنعاً لإنتاج غذاء الأطفال. وقد اعتزل مغربي عام 1970 عالم الموسيقى تماماً وقرر التوبة إلى الدين اليهودي المحافظ. كما أنه دشن قبل وفاته عام 1992 كنيساً، علماً بأن ابنه الحاخام يوسيف مغربي يترأس حالياً مؤسسة لليهود التائبين. غير أن جميع الأغاني المشمولة في الألبوم الوحيد الذي أصدره مغربي قد تم رفعها حديثاً إلى موقع يوتيوب الإلكتروني ليتسنى للناس أينما كانوا الاستمتاع بها.

تعليقات