سفيرة الثقافة المصرية في إسرائيل

رحلت قبل أسبوعين رونيت متالون بعد صراع مع مرض السرطان، تاركة وراءها مجموعة من الروايات التي وصفت فيها صراع الذات والهوية بين الثقافتين العربية والإسرائيلية وكانت خير سفيرة للثقافة المصرية في الحيز الأدبي في إسرائيل.

رصد الرثاء الأدبي على رحيل رونيت متالون من القاهرة – مراسل المغرد عزت حامد

غيب الموت أخيرا الأديبة رونيت متالون عن عمر يناهز 58 عاما، وهي الاديبة القديرة التي خلفت إرثا ثقافيا مميزا يضم حوالي عشر  روايات، تركت بصماتها على الساحة الأدبية وجوائز  إسرائيلية واجنبية. استطاعت متالون برواياتها المتميزة أن تفتح مجالا هاما في الحركة الأدبية في إسرائيل وبسطت جسرا بين الثقافتين المصرية والإسرائيلية ضمنا في قضية الهوية وتعريف الذات.  وأهتمت الكثير من التقارير الدولية بوفاة متالون ورصدت التقارير عنها.

أديبة إسرائيلية بروح مصرية

اللافت هنا أن متالون كانت بمثابة سفيرة للرؤية المصرية الأدبية في كثير من أعمالها، وهو ما تؤكده بعض التقارير الإسرائيلية.

غير أن حب مصر والثقافة المصرية ينعكس ضمنا في روايتها “هذا الذي ينظر الينا”، الرواية التي حصدت نجاحا منقطع النظير. تظهر في الرواية بوضوح علاقة متالون بالمجتمع المصري الذي تمتداليه جذور عائلتها.

كانت عائلتها قد أضطرت الى الهجرة من مصر بعد إقامة دولة إسرائيل عام 1948 وتفشي الكراهية العمياء ضد الجاليات اليهودية في البلدان العربية.

ومع قدوم العائلة إلى إسرائيل واستقرارها فيها ولدت رونيت متالون، غير أن اقتلاع  الآباء عن جذورهم أنعكس على بذرتهم التي أنجبوها في إسرائيل، وبات الاهتمام بمصر واضحا في أعمال ماتالون الفكرية والأدبية. كما كانت متالون تفتخر دائما ما بأصلها المصري والشرقي عموما، ولعل خطابها الأخير على هامش مؤتمر الأمل المشترك هو أكبر دليل على ذلك.

تفاعل مع الأدب العربي

يعكس عشق متالون للادب العربي والحياة الفكرية المرتبطة بتفاعلاته تأثير ثقافة الآباء من اليهود الشرقيين على الكثير من أبنائهم، وهذا التوجه انعكس في الأعمال الأدبية للعديد من الأدباء المولودين في إسرائيل مثل الموج بيهار وسامي بردوجو وغيرهم.

تسلل الإبداع إلى الكثير من أعمالها الأدبية، حيث أصدرت رسميا أول رواية لها في بداية التسعينات من القرن الماضي، وهي الراوية التي حملت عنوان ستبدأ الحكاية مع جنازة ثعبان “סיפור שמתחיל בהלוויה של נחש”, وتحولت هذه الرواية إلى فيلم حمل نفس الأسم وحقق شهرة وقت عرضه. وبعدها أنتجت رواية هذا الذي ينظر الينا “זה עם הפנים אלינו” في عام (1995)  وسارة سارة “שרה שרה” في عام (2000), وكان أخر أعمالها اكشفوا عن وجهها והנובלה “גלו את פניה” التي خرجت للعالم عام (2006). هذه الروايات كان وقعها كثر عمقا في الشارع الأدبي الإسرائيلي.

وسبق لمتالون الفوز بجائزة برينر، وهي جائزة أدبية تمنح سنويا من جانب اتحاد الكتاب العبري في إسرائيل، وفازت أيضا بجائزة بيرنشتاين التي تمنح للأدباء صغار السن في إسرائيل ، اضافة الى جوائز عالمية.

جدير بالذكر أن متالون كانت في ذات الوقت تعمل كمراسلة لصحيفة هارتس بالأراضي الفلسطينية في الفترة من أعوام 1987 إلى 1993 وانتقدت الفلسطينيين وسياسات الحكومة الإسرائيلية على حد سواء.

غير أن انتقاداتها للفلسطينيين كانت قوية ، وكانت في طليعة الأدباء  الذين انتقدوا العائلات الفلسطينية التي تدفع بالاطفال إلى مواجهة الجيش الإسرائيلي، وهو ما نقله عنها الصحفي درور إيدار ، الذي اشار في مقال له بصحيفة إسرائيل اليوم والذي ألقي الضوء على رحلة متالون إلى قطاع غزة لاستطلاع مشاكل الفلسطينيين هناك في عام 2001.

حملت فيها على تفريط العائلات الفلسطينية في أبنائها عبر تحريضهم لاستفزاز الجنود الإسرائيليين. ورصدت متالون هذا الواقع المآساوي سياسيا، وعبرت عنه في عدد من حواراتها الفكرية المختلفة.

أدباء من شتات يهود الدول العربية

ويشير أحد الأدباء المصريين في حديثه للمغرد إلى أهمية نوعية الأدب الذي تقدمه رونيت متالون وادباء الشتاتاليهودي الذين اضطروا الى الهجرة الى إسرائيل أو العالم من الدول العربية. “أنهم مجني عليهم كما كنا نحن أيضا مجني علينا” يقول هذا الأديب.

ويضيف في حديثه للمغرد إلى أهمية الأدب الذي يصيغه الكثير من الإسرائيليين من ذوي الأصول الشرقية، سواء أن كانوا من اصول مصرية أو عراقية أو يمنية، موضحا أنهم بمثابة الجسر الذي يمكن أن يتعرف به الكثير من الإسرائيليين على الأدب العربي والعكس.

ويوضح هذ الأديب المغالطة التي يعاني منها  العرب في حكمهم السياسي لليهود الشرقيين، من منظور الواقع القمعي الذي يعيشونه، متناسين الديمقراطية التي يعيشها الأديب في إسرائيل وحرية التعبير المكفولة للجميع بضمنهم الأقليات.  ويتم التعاطي عموما من الجانب العربي مع غالبية الإسرائيليين سواء كانوا أدباء أو مفكرين أو صحفيين من أصول شرقية على انهم يخدمون  الجهاز الأمني في دولتهم اي انهم أداة بيدها، وهو الأمر الدراج في العديد من الدول العربية، لكن هذه النظرة لا تنطبق على الحال في إسرائيل الديمقراطية التي تصدر ادبا ناقدا.

ويلتقط هنا أحد الصحفيين المصريين المتخصصين في الشؤون الإسرائيلية خيط الحديث ليقول إن الساحة الأدبية والفكرية الإسرائيلية عامرة بالنماذج الفكرية لليهود الشرقيين منهم إيلي عمير وسامي ميخائيل اللذين تسلقا الى قمة الشهرة في إسرائيل بالاضافة إلى الممثل الشهير ساسون غباي وغيرهم من الفنانين الإسرائيليين من شتات يهود الدول العربية ، ونجح هؤلاء في التعاطي مع وضع يهود الشتات والتحديات التي واجهتهم لدى هجرتهم الى إسرائيل وصراع الذات والهوية الثقافية المكبوتة.

مع رحيل رونيت متالون، طويت صفحة ادبية إسرائيلية مصرية عامرة بالوجدان الفكري سواء الإسرائيلي أو الأدبي العالمي.

تصوير: ايريس نيشير

تعليقات