كنز الذكريات ليهود العراق في إسرائيل

كتاب جديد بالعبرية عن عائلة يهودية عراقية امتدّ تأريخها لثلاثة أجيال يعكس موجة من المبادرات  الثقافية في إسرائيل سواء في اصدارات الكتب والروايات او الاعمال المسرحية والفنية تؤرخ لأجيال يهودية في العراق

يتناول الكتاب “لفوني بالإزار” بقلم الكاتبة نورة حاييم تأريخ ثلاثة أجيال لعائلة يهودية عراقية كانت تعيش في عالم صار بائداً. وتقول الكاتبة: “لقد استبدت بي الرغبة في سرد قصة اليهود العراقيين بعد اقتلاعهم الكبير والقاسي من جذورهم”.

“لفوني بالإزار” هو اسم الرواية التي ألفتها الكاتبة نورة حاييم (وري) (مواليد عام 1953 في تل أبيب) والتي صدرت في إسرائيل قبل بضعة أشهر. ويتناول الكتاب تأريخ عائلتيْ صدقة وشماش بمختلف الطرائف الخاصة بحياة كل أفرادهما وعلاقاتهم بأقاربهم بالإضافة إلى العلاقات بين أفراد العائلتيْن نفسيْهما. وتمتدّ هذه القصة الدرامية على ثلاث مدن هي بغداد والقاهرة وتل أبيب. وتنجح الرواية من خلال سرد القصص عن ديناميكية العلاقات العائلية في النهوض مجدداً بهوية الجالية اليهودية العراقية وحضارتها المجيدة وعميقة الجذور وإعادتها إلى وعي القارئ.

وتأتي الرواية على شكل قصة عائلية على امتداد حياة ثلاث أجيال. وقد حمل الجيل الأول الحضارة العراقية اليهودية إلى إسرائيل، فيما يشكل الجيل الثاني الذي هاجر أفراده إلى البلاد في أواخر العشرينيات من حياتهم جيلاً وسطاً يعيش أبناؤه بين البلديْن لأنهم كوَّنوا حياتهم هنا في إسرائيل لكن شخصيتهم كانت قد تكوَّنت في العراق. أما الجيل الثالث فوُلد أبناؤه في إسرائيل.

وقالت الكاتبة نورة حاييم في حديث لموقع YNET العبري: “لقد وضعتُ الكتاب أملاً في أن يصبح أثراً لقرائه أو يذكّرهم بصورة العالم التي اندثرت ولم يعد لها اثرٌ. وكان اليهود العراقيون يتمتعون بحياة غنية تركوها خلفهم ولا يمكن تلخيصها بالتجارب التي تعرّضوا لها في ’المعباروت‘ [مخيمات مؤقتة لاستقبال المهاجرين الجدد إلى إسرائيل في السنوات الأولى لقيامها]، ذلك لأن حياتهم المجتمعية كانت متشعبة وحافلة بالتقاليد. وكان هؤلاء الأشخاص يفرحون ويتألمون بحياتهم، كما أنهم قدموا مساهمة لا يُستهان بها في إعمار البلاد”.

وأضافت الكاتبة حاييم تقول: “لقد استبدّت بي الرغبة في سرد قصة اليهود العراقيين. ولم يكن الموضوع محض اختيار بالنسبة لي بل كان يعبر عن شعور داخلي ألزمني بإنجازه. وكانت الجالية اليهودية البغدادية قد اقتُلعت بحذافيرها خلال عاميْن (1951-1952) وكان هذا الاقتلاع كبيراً وقاسياً. ولم تكن الهجرة طوعية بل جاءت لأسباب تأريخية دفعت بهذا الاتجاه، ذلك لأن البقاء في بلد عربي معادٍ بعد إقامة دولة إسرائيل لم يعُد آمناً. وقد خُتمت في جوازات سفر اليهود الذين غادروا برعاية الحكومة العراقية المقولة: ’روحة بلا رجعة‘ التي كانت تعني عملياً إجبار اليهود على التخلي عن جنسيتهم وإقرار الحكومة العراقية بأن هجرتهم تحرمهم من حق العودة إلى الأبد”.

وأردفت الكاتبة حاييم تقول: “كان هذا الاجتثاث شاملاً ولم يكن مجرد انقطاع كان بالإمكان تصوّر نموّه مجدداً في المستقبل. وكانت مشاعر الحسرة تراودني خشية ضياع هذا الكنز الغالي من الذكريات  والقصص التي أملكه وعدم بقاء أي ذكر له”.

وتحاول الكاتبة نورة حاييم في روايتها الالتزام باللغة الداخلية لأبطالها على اعتبار أنهم لم يتقِنوا العبرية، حيث تقول في هذا المضمار: “كانت هذه أصعب مهمَّة بالنسبة لي لأنها اقتضت الدقة. ولا أزال أتذكر تفاصيل العبارات التي كانت متداولة على ألسنة أفراد العائلة بما كانت تحويه من نوعية معيَّنة وحدسية للغة المحكية، حيث يجب على الإحساس بهذه اللغة وإلا لصار صوتها نشازاً”.

أما الإزار الذي أعطى للرواية عنوانها فكان الفستان الذي كانت الفتاة اليهودية تتسلمه ضمن المهر في يوم زفافها، وكانت مناسبة تسلّمها لهذا الثوب توحي ببدء مرحلة البلوغ من حياتها. وكانت ترتدي الإزار فوق ملابسها في الأعياد وكذلك في أيام السبت والمناسبات الاجتماعية الهامة كالأعراس. كما كان معتاداً في كثير من الأحيان التبرع بالإزار بعد وفاة السيدة للكنيس لاستخدامه غطاءً لخزانة كتب التوراة، بينما كان شائعاً لفّ جثمان المرحومة بإزارها عند مواراتها الثرى. وتقول الكاتبة حاييم: ” إن الإزار يمثل بالنسبة لي دائرة الحياة حيث تنطوي ثناياه على الحضارة والحياة الاجتماعية الرائعة التي قُطعت، تلك الحياة التي ستضيع تماماً إنْ لم نحفظها في ذاكرتنا”.

تعليقات