من أيقظ اللغة العبرية من سباتها؟

تحل بعد غد السبت ذكرى ميلاد اليعازر بن يهودا المسؤول عن هذه المعجزة التي بعثت في اللغة العبرية دبيب الحياة بعد سبات دام 1600 عاماً، في ظاهرة فريدة من نوعها في العالم

سمادار العاني

“اللغة التي كانت في سبات عادت لليقظة من جديد وبدأت تتكلم وتتكلم” – هذا ما يقوله المطرب الراحل أريك أينشتين في أُغنيته الشهيرة.  وتلخص هذه الجملة بالذات المعجزة التي حدثت للغة العبرية بشكل خاص وللشعب اليهودي بشكل عام.

كانت اللغة العبرية لغة الكلام والكتابة في عصر التوراة، وتوقف إستخدامها كلغة كلام تدريجيا بعد هذه الحقبة من الزمن، لتحل محلها اللغة الأرامية. ولم تنقطع صلة اليهود بلغتهم على مرّ التأريخ، فكانت العبرية لغة الكتابة والصلاة في الشتات. كما استمر كتاب وشعراء يهود كموشيه بن ميمون وإبن جفيرول بتطوير اللغة المكتوبة وقاموا بتأليف موشحات دينية وكتب في مجال الفلسفة اليهودية.

وفي دول الشتات قام اليهود بتطوير لغات خاصة بهم تتسم بالمزيج بين اللغات المحلية في دول سكناهم وبين العبرية: اليديش في الدول الأوروبية، اللادينو في إسبانيا ودول البلقان والعربية-اليهودية في الدول العربية.  مع ذلك، فإن غياب العبرية كلغة الكلام وضعها في حالة سبات لمئات السنين، حتى إنتعاشها  في نهاية القرن التاسع عشر.

bywork

نهضة قومية بمجهود فردي

إتسمت شخصية اليعيزر بن يهودا بالمثابرة والإصرار والرؤية الثاقبة. بن يهودا,  مولود روسيا والذي إستقر في إسرائيل عام 1881 كان يؤمن  بالترابط الوثيق بين إحياء اللغة العبرية وتجسيد الهوية الوطنية للشعب اليهودي.  كرس بن يهودا حياته لتطوير وتحديث اللغة العبرية القديمة،  حيث نشر مقالات باللغة العبرية شجع  فيها السكان اليهود على التكلم بالعبرية.

كما  ألزم بن يهودا أبناءه بالحديث باللغة العبرية فكانوا أوّل من تحدث العبرية الحديثة كلغتهم الأم.

وألف بن يهودا المعجم العبري القديم والجديد، الذي جاء في تسعة مجلدات وإستغرق اعداده 40 عامًا. أكملت أكاديمية اللغة العبرية هذا المشروع اللغوي الكبير، ليضم هذا المعجم سبعة عشر جزءًا كاملًا عام 1959.

ولكن مشوار بن يهودا لم يكن مفروشا بالورود وقد تعرض للمضايقات والإضطهاد من قبل اليهود القدماء في ارض إسرائيل، الذين شكّكوا بإمكانية إعادة إحياء العبرية وعارضوا إستخدام هذه اللغة لأغراض غير دينية. مع ذلك حظيت أفكار بن يهودا إلى التأييد من قبل جيل الشباب الذي شكل نواة نهضة اللغة والشعب في ان واحد.

alphabet-1679750_640

العربية كمصدر إلهام للعبرية

كان بن يهودا يكنّ الإحترام والتقدير للغة العربية التي اعتبرها أُخت العبرية. من هذا المنطلق إستعان باللغة العربية لتطوير وتحديث اللغة العبرية القديمة. وأدخل بن يهودا إلى العبرية كلمات عربية في حال غياب كلمة عبرية لمصطلح ما او اضافة معاني لكلمات عبرية قائمة. وقد دخلت ألى العبرية كلمات عربية المصدر كالهجيرة (هجرة), خياط (خياط) ورسمي (ريشمي) وبالإضافة إلى ذلك تم  تغيير معاني كلمات قديمة لتنسجم مع العصر الحديث.

رغم كل العراقيل التي واجهها بن يهودا، فمن المؤكد أنه نجح بتحقيق طموحه في تحويل اللغة العبرية الى اللغة القومية التي تجمع يهود الشتات. وممّا لا شك فيه أنّ لغة شعب ما تعكس ثقافته وروحه ونمط تفكيره ويقول بهذا الصدد  الكاتب الإسرائيلي أهرون ماغاد: “إذا كان الشعب يحدد طبيعة لغته، فبنفس القدر، تُحدد اللغة طبيعة الشعب”.

تعليقات