عاشق الطين العراقي: في ذكرى وفاة شموئيل موريه الإسرائيلي

يُحبُ العراقيون شموئيل موريه وظلّ هو يعشقهم ويتشوّق لأيام صباه وشبابه بأرض الرافدين، وكان حتى رحيله المفجع غير المفاجئ نجم يهود شتات العراق في إسرائيل

 

حصري لموقع المغرد / محمد حبيب

حافظ شموئيل موريه على علاقات واسعة مع العراقيين في كل أنحاء العالم، ومن خلال موقع إيلاف الذي كان في وقت ما أول موقع انترنيت باللغة العربية واسع الانتشار أسس البروفسور موريه أستاذ الأدب واللغة العربية في الجامعة العبرية باورشليم شبكة علاقات بالعراقيين في مختلف أنحاء العالم ومن مختلف الطبقات، واتسمت علاقاته بهم دائما بانها تتسامى على خلافات السياسة.

في إسرائيل، عُرف موريه بشكل واسع بتخصصه في اللغة العربية وآدابها، وما قدمه في الجامعة العبرية يرقى به لمستوى الباحثين والمتخصصين الكبار في العربية، إضافة لكل ذلك فقد عُرف موريه بصفته رئيس رابطة الجامعيين اليهود العراقيين.

كان موريه مساحة شاسعة من المعرفة وغزارة الانتاج المعرفي باللغات العربية والعبرية والانكليزية:

جاوز عدد مؤلفاته بالعبرية 8 كتب، كرس بعضها للأبحاث عن يهود العراق وثقافتهم والإناتاج الأدبي العربي الجديد الى جانب انتاج يهود الشتات العراقي في الأدب العربي.

كما نشر بالعربية ستة مؤلفات منها:

‫فهرس المطبوعات العربية في إسرائيل 1948-1972، القدس: مركز جبل سكوبوس، 1974.

مختارات من أشعار يهود العراق الحديث، القدس: معهد الدراسات الآسيوية والإفريقية، 1981.

بغداد حبيبتي: يهود العراق، ذكريات وشجون، حيفا: مكتبة كل شيء، 2012.

عجائب الآثار في التراجم والأخبار، القدس، 2014.

وكتب ونشر بالإنكليزية 10 مؤلفات منها عن نازك الملائكة والشعر الحر في الأدب العربي المعاصر وكتاب وشعراء يهود في العراق الحديث وعن الفرهود في عام 1941 :

فوق هذه القدرة الخارقة على التأليف، دأب سامي ابراهيم المعلم، كما كان اسمه في العراق قبل عودته الى الوطن الأم “إسرائيل” على كتابة المقالات والقصائد ونشرها في كل مكان باللغات الثلاث التي اتقنها، علاوة على كتب عديدة حققها ونشرت محققة باسمه ومن أشهرها تاريخ الجبرتي الذي يقع في قرابة عشرين مجلدا. الى غير النشاطات الفكرية، كان موريه ناشطا في المجتمع المدني سيما في اطر الشتات العراقي في إسرائيل.

كتب عنه المفكر العراقي الكبير الدكتور كاظم حبيب:

“من الضروري القول بأنّه ليس قومياً متطرفاً أو قومياً يمينياً مناهضاً للعرب. ولغته وكتاباته بالعربية تكشف لنا جانبين مهمين يتفاعلان لديه ولا يتعارضان وهما:

  1. 1. إنّ حبه القديم المتجدد للعراق ما يزال ينبض بقوة فيه وبعاطفة جياشة وحقيقية، كما إنّ حبه للغة العربية والكتابة بها يؤشر موقفه الإيجابي من العرب؛
  2. 2. وأن حبه لوطنه إسرائيل وحبه لشعبه يتحركان فيه دوماً.

وليس في هذين الجانبين أي تناقض.”

وفي هذه المقولة تشخيص حقيقي دقيق لوعي موريه الذي جعله يتسامى فوق الانقسام السياسي، ليعيش بقلبين، قلب يهودي اسرائيلي نابض بحب الوطن( إسرائيل)، وقلب نابض بحب أرض الشتات التي ولد وكبر فيها واجبر على مغادرتها (العراق).

وتظهر قدرات شموئيل موريه الخارقة على التكيف في المنعطف الذي عاشه في خمسينيات القرن العشرين حال وصوله الى اسرائيل، حيث أنه ولد لعائلة ثرية، وأحاطت به ورعته مواكب الحرس والسائقين والخدم والمربيات، وقضى عمره اليافع الفتي يعوم ويجّف في الزوارق بنهر دجلة أيام الشابات (السبت). وحين هجرّه ساسة العراق في عام 1951 وأسرته، عاش تغيرا قاسيا واحداً بنمط الحياة وصفه بنفسه بالقول” وحين وصلت إسرائيل بدأت أعمل في البناء، وكان عملاً شاقاً، حيث انتقلت فجأة من العز إلى العمل الشاق لاستلال لقمة العيش. وجدت إني لست صالحاً لهذا العمل، فذهبت للدراسة في اورشليم  القدس مع أخوي جاكوب وريموند. كان ذلك في العام 1951، كنا أكثر من 70 طالباً يدرسون اللغة العربية في الجامعة العبرية. وقد كان مستوى الطلاب العراقيين عالياً جداً. أثناء ذلك جندنا في الجيش”.

لشدة حنينه للعراق وطن الشتات الصعب، كتب في مستهل كتابه “بغداد حبيبتي”:

قالتْ لي أمّي،

والقلبُ كسيرْ:

“أحنّ إلى العراق يا ولدي،

أحنّ إلى نسيمِ دِجلة

يوشوِشُ للنخيلِ،

إلى طينها المِعطار

إلى ذيّاك الخميلِ،

بالله يا ولدي،

إذا ما زُرتَ العراقْ

بعدَ طولِ الفراقْ

قبّلِ الأعتابْ

وسلم على الأحبابْ

وحيّ الديار

وانسَ ما كانَ منهم ومنّا!”

“موريه وليس موريا”!

ولفت الدكتور كاظم حبيب الأنظار الى التباس شائع، حاولت بعض أجهزة المخابرات العربية ومنها على وجه الخصوص المخابرات العراقية في عهد صدام حسين، والمخابرات السورية تكريسه بشان أسم موريه، الذي تكرر في مسلسل مصري عرض في ثمانينيات القرن العشرين باسم “رأفت الهجان” مبينا أنّ الإشارة كانت تجري لشخص اسمه “شموئيل موريا” باعتباره رئيس قسم مكافحة التجسس العربي. وهذا الرجل هو غير البروفيسور شموئيل موريه. علماً بأن الأول هو عراقي أيضاً ومستعرب وكان صهيونياً حين غادر العراق وعمل في النشاط التجسسي والاسمان متماثلان، ولكن الأول يكتب اسمه شموئيل موريا والبروفيسور يكتب اسمه ب شموئيل موريه.

في عام 2013 نظم بحقه د. جبار جمال الدين المعني بيهود الشتات العراقي والصديق الصدوق لكثير منهم، قصيدة ونشرها في موقع الأخبار:

“إلى الأخ سامي موريه لبلوغه الثمانين من العمر”

فِي الثـّمانينَ وتبْقىَ جَبَلا ً          أيّهَا الشّامِخُ رَغْمَ العَاتِياتِ

يا أخِي سَامِي يَا زَهْرَ الرُّبَى        أنْتَ عُنْوانٌ لأغْلىَ الذكْرَيَاتِ

فيكَ يَحْلوُ كلّ عَيْش ٍفِي الدّنا حاضِرِي أوْ مَا مَضَى أوْ هُوَ آتِ

لَمْ  تكُنْ غَيْرَ وسَام ٍ خالِدٍ           فِي جَبين ِالدّهْر ِيَا سِرّ الحَياةِ

لمْ تكُنْ غيْرَ شِراع ٍ مُبْحِر ٍفِي شِغافِ القلـْبِ يَا طَوْقَ النـّجَاةِ

فـَهَـنِيئـًا لكَ  عُمْرٌ  زَاهِرٌ              يَتـَحَدّىَ كلّ طـُغـْيان ِ العُتاةِ

وَهَنيئا لكَ عُمْرٌ مَا بهِ                 غيرُ إحْسانٍ وَجُود ٍ وَهِبَاتِ

الى آخر القصيدة…..

رحل قبل عام نجم إسرائيل الساطع شموئيل موريه في (الثاني من شهر تشيري لعام 5778 عبري) الموافق (الجمعة 22 سبتمبر 2017 ميلادي) ولم ينطفئ وهجه، إذ سيبقى انتاجه الغزير معلماً يخلّده، وقد تأتي البداية من مركز ومتحف يهود بابل الموقر الجميل.

حقوق الصورة الابرزة: فيسبوك

تعليقات