يريدون العودة الى الهوية الممحية

في صف صغير تقام فيه دروس اللغة اليهودية العراقية المحكية، يحاول جيل الأحفاد تعلم لغة جدهم وجدتهم ليفهموا بصورة أفضل الثقافة العراقية التي تربوا عليها في إسرائيل

في إطار صيرورة “مرجل الصهر*” خلال السنوات الأولى لإقامة دولة إسرائيل، حاولت الدولة الإسرائيلية أن تطوّع جماهير القادمين الجدد لثقافة وطنية جامعة، إسرائيلية. في هذا الإطار، حاولوا أن يدفعوا إلى الهامش، بل وحتى أن يمحوا، أية مؤشرات ثقافية جاء بها المهاجرون معهم.

صحيح أن جيل أحفاد هؤلاء القادمين انكشف على ثقافة الأجداد والجدات، لكن تلك المؤشرات الثقافية كانت في الغالب سطحية بنظره لأنها كانت ناقصة: لم تعد اللغة معروفة بعد، السياق الذي ولد الشعر فيه، الأدب والفن الأصليين لم يكونا معروفين. بل إن غالبيتهم يشهدون على أنهم خلال طفولتهم كانوا يخجلون بأبناء عائلاتهم الذين تحدثوا إليهم باللغة العربية في الحيز العام، الإسرائيلي. الفجوة بين الوجود البارز للثقافة في حياة العائلة وبين معرفتها بعمق، خلق حالة من الفراغ بات الكثيرون من الأحفاد اليوم يشعرون بأنهم أصبحوا بالغين وجاهزين لسدها.

إنقاذ يهودية العراقية من الإندثار

يقول مأور زخاريا، المبادر لدورة اللغة العربية العراقية اليهودية، إن الفكرة اختمرت لديه على مدار نحو 15 عاما. وقد كان خلال سنوات طويلة يتذمر من أنه يستصعب الرد على جدته التي قدمت إلى البلاد كبيرة السن، والتي كانت تتحدث إليه فقط باللغة العراقية اليهودية، في حين أنه – ولأنه لا يتحدث اللغة – لم يكن قادرا على التواصل معها. لأجل هذه المهمة، قام بتجنيد معلمة للغة العربية كانت قد خرجت للتو إلى التقاعد. في المرحلة الأولى، اعترضت المعلمة على الفكرة، لكنها بعد أن فكرت مليا بالموضوع، فهمت أن الحديث يدور عن رسالة، عن إنقاذ لغة آخذة بالاختفاء من العالم، وعندها تجندت للمهمة.

دروس اللغة العربية العراقية اليهودية هي أكثر من مجرد تعلم لغة. خلال اللقاءات يتم أيضا تقديم مأكولات عراقية بحسب الأصول التراثية. يتم تعلم اللغة بحسب مواضيع وتدور العملية التعليمية في جو من المتعة. فدرس “زيارة الطبيب” كما يقول التلاميذ هو “أكثر من وصف حالة وضعية، إنه يذكر بمزاج ما. إنه يشرح لنا تصرفات الكبار بالسن التي كنا نراها من جيل صفر”.

اللغة العراقية اليهودية التي كان يهود العراق يتحدثون بها حين كانوا يعيشون هناك، لا يعرفها المسلمون العراقيون. وهنا يُطرح السؤال: إذا، لماذا يرغب الشباب في إسرائيل بتعلم هذه اللغة القديمة؟ اتضح أنه ما تزال هنالك بعض الأماكن التي بالإمكان سماع هذه اللغة الآخذة بالاندثار فيها. في “برلمانات” ساحة أوردياع في رمات غان، في سوق “هتكفا”، في أور يهودا. “عندما تم عرض فيلم “المطيرجي” قبل سنة ونصف في السينما، ذهبنا جميع أفراد العائلة”، يقول أحد التلاميذ. “جلسنا في الصف الأخير وكانت هنالك استراحة خلال الفيلم. فالتفت الجالسون في الصف الذي أمامنا إلى الخلف وقالوا “نحن نعرفكم”. واتضح في النهاية أن كل من كانوا في القاعة عراقيون، وقد كانوا جميعا معا في نفس “المعبرة” (خيمة لاجئين). اللغة هي جزء من الثقافة، من كينونة الحياة. إن الأمر يشبه أن تقوم مجددا بتلوين شيء ما آخذ بالتلاشي، ونحن نريد التمسك به”.

“لقد تعلمت اللغة الألمانية في الجامعة، ومن الممكن أن يأتي يوم أستخدمها فيه، لكن الميزة في اللغة العراقية هي أنني حين أعود إلى البيت، هنالك من أتحدث إليه. أن آتي إلى هنا في كل يوم ثلاثاء وأن أقول تلك الكلمة لأمي بعد ذلك، أن أذكرها بها، إن هذا الأمر يمنحني أكثر من أي أمر عادي أو ممارسة بإمكان اللغة أن تعطيها”. فخرا عراقيا.

*مرجل الصهر هي سياسة نادى الى تطبيقها رئيس وزراء اسرائيل دافيد بن غوريون

تستهدف محو الهوية القديمة وبناء هوية جديدة تكون قاسما مشتركا بين الوافدين على اسرائيل من كل اصعاق العالم

ملخص تقرير أعده إيال ليفي بالعبرية لمعاريف تحت عنوان يتعلمون العراقية في تل أبيب

تعليقات