يهود ليبيا: مزيج العراقة بنكهة التنوع الاسرائيلي

عاش اليهود في ليبيا منذ فجر تأريخ هذه الدولة، وتركوا بصماتهم في شتى المجالات وخاصة في المطبخ الليبي. وكانت حياتهم في الشتات الليبي مليئة بالتحوّلات والاضطرابات تحت سلطة الأنظمة الاستعمارية والمستبدة، حتى قدومهم الى الوطن الأُم واندماجهم فيه

سمادار العاني

يندرج ملف يهود ليبيا ضمن وضع يهود الشتات العربي، الذي لا زال مُعقدا لتعرضه لمزيد من التشويش والخدش من قبل الإعلام العربي. في المقابل، ما برح كبار السن من العرب يروون لأولادهم وأحفادهم قصصا عن تعايش اليهود مع المسلمين، وعن مشاركتهم في الأفراح والأتراح. لذلك، وبالرغم من السياسة والدعاية اللا متناهية ضد إسرائيل في الإعلام العربي، فقد تربى شبان في دول عربية على قصص التعايش، وكيف تعاون المسلمون واليهود على مدى الدهر وقهرا مشقة الحياة جنبا إلى جنب.

بعد سقوط نظام القذافي تصاعد الإهتمام باليهود في ليبيا بشكل كبير، في موقف شبيه لما حدث في العراق جراء سقوط نظام صدام في عام 2003. وإذا كان شباب العراق قد ترجموا اهتمامهم بالمُكوّن اليهودي في بلدهم بالتواصل عبر الانترنت مع يهود الشتات العراقي، فلدينا معلومات ضئيلة عن وجود تواصل بين مواطنين ليبيين ويهود الشتات الليبي.

تأريخ عريق الغته معاداة السامية

ورغم الغموض الذي يكتنف تفاصيل حياة يهود ليبيا، فمن يجري عملية بحث بسيطة في “غوغل” بعنوان “المطبخ الليبي”، سيكشف اعترافات مُدهشة في مواقع ليبية تؤكد أنّ المطبخ الليبي اليوم يستند الى تراث اليهود في الطبخ، وأنّ الأطعمة المعروفة اليوم في ليبيا هي ذات أصول يهودية.

13246254_1078670075582401_6756111908487776100_o

قبل الخوض في المطبخ الليبي، علينا أن نسلط الضوء على أهمّ المحطات بتأريخ يهود ليبيا. تقول الدراسات التاريخية إنّ أقدم وجود لليهود في ليبيا كان في حدود مدينة سـرت في القرن العاشر قبل الميلاد إبان حكم الملك سليمان، حيث عثر على أثار معبد يهودي هناك. وحسب الروايات المتداولة شعبيا، قدم اليهود إلى أرض ليبيا مع البحارة الفينيقيون الذين انتقلوا الى شواطئ شمال أفريقيا. تركز الوجود اليهودي في ليبيا بمدينتي طرابلس وبنغازي، وحسب المعلومات، لم يندمج اليهود الليبيين مع السكان المحليين، عربا كانوا أم بربرا.

وقد تنامى عديد الطائفة اليهودية فى ليبيا بعد طرد اليهود من الأندلس مع سقوط غرناطة في عام 1492 وهروبهم من محاكم التفتيش الكاثوليكية. وأستحدث يهود الأندلس في ليبيا مجتمعا يهوديا نشطا في المجالات السياسية والتجارية خلال العهدين العثماني و الإيطالي، وما تلاها خلال عهد المملكة الليبية.

وفي بداية القرن العشرين كان اليهود يُعاملون بشكل جيّد نسبيا تحت الحُكم الإيطالي، ولكن في ثلاثينات القرن بدأ النظام الفاشي الإيطالي بسن قوانين معادية للسامية منعت اليهود من العمل في الوظائف الحكومية، ومن التسجيل في المدارس الحكومية وفُرض عليهم ختم “العرق اليهودي” في جوازات سفرهم. في عام 1942، احتل النازيون الحي اليهودي في بنغازي وقاموا بترحيل أكثر من 2000 يهودي، ونقلوهم بعد ذلك إلى معسكرات الاعتقال النازية.

13217044_1073244406124968_550247061800336128_o

ولم تتحسن أوضاع اليهود في ليبيا بعد الحرب العالمية الثانية، وفي عام 1945، قُتل أكثر من 140 يهودي وجرح عدد أكبر في مذبحة علنية في طرابلس. ولم يقم مثيرو الشغب بتدمير ونهب المعابد اليهودية في المدينة فحسب، بل خربوا أيضاً مئات المنازل والمحالات التجارية. وفي أعقاب هذه الأحداث الدموية بدأ تدفّق اليهود الليبيين الى إسرائيل، وخلال الفترة بين نهاية أربعينات القرن الماضي وبداية الخمسينات قدم الى إسرائيل معظم يهود ليبيا حيث وصل عددهم الى قرابة 31 الف شخص.

وبعد قيام دولة اسرائيل بقي في ليبيا 3000 يهوديا، معظمهم تُجار كانت لديهم علاقات تجارية مع ايطاليا وكانوا يسافرون اليها ويمكثون فيها فترات طويلة. وفي أعقاب حرب الأيام الستة عام 1967 اندلعت في ليبيا أعمال شغب معادية للسامية، اجبرت معظم اليهود المتبقين بليبيا على مغادرتها الى روما. صعود القذافي الى السلطة في عام 1969 وضع حدا للوجود اليهودي في ليبيا. لم يكن في ليبيا أنذاك سوى 100 يهودي، لكن مع عددهم الضئيل فإن العقيد الليبي لم يتورع عن مصادرة جميع ممتلكاتهم، مّا طوى صفحة الجالية اليهودية في ليبيا نهائيا.

شريط يحتوي صور للعاصمة طرابلس ولحارة اليهود في المدينة. الغناء بصوت شلوميت بوخنيك، مطربة اسرائيلية من أصل ليبي، تؤدي أغاني تقليدية ليبية:

مواصلة العادات والحفاظ على التراث

كما بقية اليهود القادمين من الدول العربية، حرص يهود الشتات الليبي على مواصلة أعراسهم وطقوسهم الدينية والاجتماعية بالنمط نفسه الذي اعتادوه في ليبيا، فأقاموا في مدينة أُور يهودا متحفاً خاصاً بهم يشرح تاريخهم العريق، عارضين فيه صورا من داخل ليبيا خلال الأربعينات والخمسينات وكذلك ملابس ومعدات تعكس عاداتهم وتقاليدهم. ويحتوي المتحف على غرف مليئة بصور الحاخامات، وبيت يهودي تقليدي ونموذج للحارة الطرابلسية التقليدية.

مناطق سكن يهود الشتات الليبي في اسرائيل غير محصورة في بلدة أو منطقة معينة، ولكن وجودهم الأكتف في مدن  نتانيا، وحيديرا وأور يهودا. أمّا اللهجة اليهودية الطرابلسية فهي خليط بين اللهجة العربية الليبية، مصطلحات يهودية وعبرية، وألفاظ من اللغتين الإيطالية والإسبانية.

13248600_1078952168887525_1567786631458590912_o

“الحرايمي” حاضر بقوة في مناطق ليبيا الساحلية

نقل رواة ليبيون عن أجدادهم  أنّ المطبخ الليبي يدين بالفضل لليهود في تنوعه، وخاصة فيما يتعلق بأكلات السمك. أشهر هذه الأكلات هو “الحرايمي”، طبيخة سمك او مرقة سمك تغمس بالخبز،  وهي لا تزال موجودة بقوة في مناطق  ليبيا.

ومن أبرز مأكولات المطبخ الليبي:

الكسكسى –  يتكوّن من سميد القمح أو من الشعير، ويُعتبر من الوجبات الأساسية اليومية  التي تُقدّم مع الدجاج واللحم أو السمك ومع التوابل والخضروات مثل البطاطس والبصل.
المفروم – البطاطس والباذنجان المحشوة باللحم  المهرس والمتبل .
الطبيخة (الاسم المستخدم لدى يهود ليبيا) / طبايخ (اسم المأكولة لدى الليبيين)- فهى صلصة التوابل  تعد مع البطاطس أو البازلاء أو الفاصولياء .
البسيسة – تصنع من حبوب القمح أو الشعير ، يجري قلي هذه الحبوب ثم تهرس بالرحى لتتحول إلى طحين. وقد تضاف إليها بعض المواد الأخرى كالتوابل والاعشاب واللوز والتمر وتُخلط بالزيت.و تُؤكل عادة في أوّل أيام شهر نيسان، وتشكل لدى اليهود الليبيين رمزا لبدايات جديدة وناجحة.
البازين – طبق من العجين  المعد من القمح  او الشعير ترافقه صلصة من  التوابل واللحوم والبطاطا أو البيض.
العجة أيّ البيض المطبوخ في مقلاة مع صلصة التوابل والخضر.

واندمج يهود الشتات الليبي بكل مجالات الحياة، مازجين تراثهم الديني وعاداتهم الاجتماعية بهويتهم الإسرائيلية. وبات مطبخهم الغني وفولكلورهم المميّز جزءا من الثقافة الإسرائيلية الملونة التي تعتز بالتنوّع والتعدديّة.

الصور عن صفحة الفيسبوك ليهود ليبيا

تعليقات