رحلة إلى كردستان العراق والحلم بإعادة إحياء المجتمع اليهودي

قام مراسل صحيفة معاريف الإسرائيلية، بزيارة إلى إقليم كردستان العراق لاقتفاء آثار المجتمع اليهودي وتاريخه في الإقليم. لكن من التقى من الشخصيات الرسمية واليهودية هناك وماذا بحث معهم؟

عندما وصل جدعون كوتس، مراسل صحيفة معاريف الإسرائيلية في باريس، إلى كردستان العراق التقى رئيس حكومة الإقليم نيجيرفان بارزاني الذي قال له: “ستتطلع كردستان المستقلة إلى إقامة علاقات حسنة مع جميع دول المنطقة بما فيها إسرائيل”. وسرعان ما أدرك المراسل كوتس أنه بات يشهد بداية مسيرة جديدة ترمي إلى إعادة إحياء المجتمع اليهودي في كردستان التي صارت الآن، وفقاً للمعطيات الرسمية الخاصة بالوكالة اليهودية على الأقل، خالية من اليهود.

بداية الرحلة

التقى كوتس في بهو الفندق الذي نزل فيه شيرزاد عمر مامساني (40 عاماً)، وهو رجل يتميز بوضعه القلنسوة اليهودية (الكيبا) على رأسه والذي كان قد تم تكليفه رسمياً بتجديد الحياة اليهودية في شمال العراق. وحصل كوتس، رغم قصر الفترة التي أتيحت له، على انطباع جيد بالنسبة لمواهب مامساني الدبلوماسية وسعيه الدؤوب، وسط ظروف صعبة، لدفع القضية اليهودية في كردستان إلى الأمام، فضلاً عن شبكة العلاقات التي يتمتع بها مع الأوساط الرسمية في الإقليم. وقال مامساني لكوتس إنه كان عام 1997 ضحية مباشرة لاعتداء إرهابي قامت به عناصر إسلامية متشددة فجرت قنبلة على عتبة منزله بعد أن ألف كتاباً يروي قصة اقترابه من إسرائيل. وأدى الانفجار إلى بتر يده اليمنى. وقد تم تعيينه رسمياً عام 2015، مديراً لشؤون الأكراد اليهود في وزارة الأوقاف والأديان بحكومة إقليم كردستان العراق. ولم تمضِ أسابيع قليلة حتى أقام مامساني حفلاً بموافقة سلطات الإقليم، لإحياء ذكرى تهجير يهود العراق في نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 1947.

تجديد الكنيس الكبير

وأكد مامساني لمراسل صحيفة معاريف أن فكرة إحياء المجتمع اليهودي تلاقي الرضا والاستحسان في إقليم كردستان العراق على الصعيدين الرسمي والشعبي. ويعود الأمر إلى جملة أسباب أوَلها خلوّ الإقليم من أي مشكلة مع أتباع أي ديانة، وثانياً عدم كون اليهود غرباء على الإقليم نظرا لوجود تاريخ مشترك يمتدّ لقرون بين الأكراد واليهود. ويشار إلى أن مامساني ابن لأم يهودية وأب مسلم، لكنه عاش طيلة حياته كيهودي وعمل على الدفاع عن قضايا الدين والثقافة والتاريخ اليهودي في كردستان العراق. غير أنه قدم استقالته من منصبه الرسمي في حكومة الإقليم بعد عدم الاستجابة لمطالبته بترميم قبر النبي ناحوم من ألكوش (من أنبياء التوراة) الذي يتعرض لخراب متواصل. واعتبر في سياق حديثه مع المراسل الإسرائيلي، أن ترميم قبر ناحوم وكذلك قبر النبي دانيال (يوجد مقامه أيضاً في محافظة نينوى شمال العراق وقد قامت عناصر تنظيم الدولة الإسلامية بتفجيره عام 2014 ليس عملاً يجب إنجازه من أجل اليهود وحدهم، بل من أجل التاريخ برمته. وهو يواصل بذل جهوده بحثاً عن جهات تساهم في ترميم هذين المقاميْن إلى جانب سعيه لإعادة فتح الكنيس الكبير ليهود كردستان والذي يعود تاريخ بنائه إلى ما قبل 1700 سنة، علماً بأن هناك أيضاً 7 كنس يهودية قديمة أخرى في أراضي كردستان العراق.

الكنيس في أروميه. حقوق التصوير: ويكيبديا

وتجدر الإشارة إلى أن ألكوش أو قراقوش هي بلدة مسيحية بمعظمها تقع في منحدرات تلة في سهول نينوى حوالي 50 كيلومتراً إلى الشمال من مدينة الموصل. وكانت البلدة خط المواجهة الأمامي للقوات الكردية في حربها مع تنظيم داعش. أما الآن فقد تجددت الحياة في قراقوش حيث أعرب سكانها عن سرورهم لاستقبال اليهود. وحافظ معظم السكان على لغتهم الآرامية إلى جانب العربية. وكان هناك كنيس يهودي في البلدة كان محجاً لليهود خاصة في فترة عيد نزول التوراة (“شافوعوت” أو “الأسابيع”). وأشار مامساني إلى أن “الكثير من اليهود كانوا يخفون هويتهم الدينية عن النظام العراقي على مدى أكثر من 70 عاماً ثم عن عناصر تنظيم داعش خلال السنوات الأخيرة”. وقد هاجر بعض اليهود الأكراد إلى إسرائيل فيما قرر البعض الآخر اعتناق الإسلام خشية تعرضهم للملاحقة والاضطهاد.

الأكراد يحمون اليهود من بطش صدام

وكان معظم السكان اليهود المتبقين في بغداد، وعددهم حوالي 3 آلاف نسمة، قد فروا عام 1973 إلى إقليم كردستان خوفاً من سعي الطاغية صدام حسين للانتقام منهم عقب حرب يوم الغفران (حرب تشرين) التي شارك فيها العراق إلى سوريا ومصر. واستقبلت عائلة بارزاني هؤلاء اليهود وقامت بحمايتهم. ولايزال مامساني يحرص على دعوة ممثلي الحكومة الكردية، إلى جانب ممثلي الطوائف الدينية الأخرى وقناصل الدول الأجنبية لحضور مأدبة يوم السبت التي يقيمها أسبوعياً. ويسعى بهذه الطريقة إلى إطلاع هذه الشخصيات على الديانة والحضارة اليهوديتين وتأكيد حقيقة عدم وجود أي خطر من اليهود رغم ما يتعرضون له من تحريض ضدهم ودعايات وأكاذيب تسيء لهم.

إحياء المجتمع والعادات والطقوس اليهودية

والتقى المراسل جدعون كوتس أيضاً دانيئيل إدري المرشح لتولي منصب الحاخام الأكبر في كردستان العراق الذي وصل بدوره إلى الإقليم في زيارة تعارف مع السلطات المختصة هناك. وأكد له إدري بنبرة تدل على الفخر والاعتزاز: “لقد حضرت لخدمة المجتمع اليهودي وإعادة إحيائه وتحقيق نهضته مجدداً. وكان التاريخ اليهودي قد بدأ هنا قبل 2700 سنة. لقد أتيتُ بصفة حاخام يساعد في إعادة إحياء المجتمعات اليهودية”. كما أكد إدري أن السلطات الكردية معنية بتطوير المجتمع اليهودي لإظهار وجود الحرية الدينية في الإقليم، منوهاً إلى أن اليهود من حقهم أن يكون لهم حاخام يمثل مصالحهم في كردستان شأنه شأن القاضي المسلم والمراجع الدينية المسيحية. ويعقد الحاخام إدري في هذه الفترة، إلى حين الإقرار بتعيينه في منصبه الرسمي ومباشرته عمله لإعادة تكوين المجتمع اليهودي، لقاءات مع أفراد هذا المجتمع. وتولى الحاخام عرافة حفل أقيم في منزل خاص بحضور 8 أشخاص (تتراوح أعمارهم بين 30-60 عاماً) لإقامة طقوس “البار مِتْسفا” (طقوس دينية يهودية تقليدية تقام لأي فتى عند بلوغه 13 عاماً من العمر احتفالا بانتقاله من الطفولة إلى البلوغ)، حيث كان الحفل أول مناسبة أتيحت لهؤلاء الأشخاص بوضع التفيلين (صندوقان خشبيان مرتبطان بخيوط جلدية يلفّها اليهودي عند أدائه الصلاة أحدهما على جبهته والآخر على يده اليسرى).

حقوق الصورة البارزة: ويكيبديا

تعليقات