“مرسوم الحمراء” – فرمان طرد اليهود من إسبانيا

هل سمعتم ب “مرسوم الحمراء”؟ إنّه فرمان آخر من ظلم التاريخ الذي ألحقه الطغاة بالشعب اليهودي، فرمان إبادة وتهجير، مرت ذكراه الحزينة مؤخرا

حصري للمغرد/أوهاد مرلين

تزامنا مع إحياء تدمير الهيكلين والقضاء على مملكتي يهوذا على يد البابليين في عام 586 قبل الميلاد وعلى يد الرومان في عام 70 للميلاد، تحل أيضا ذكرى حدث مؤلم آخر في تاريخ الشعب اليهودي حصلت في عام 1492، أي قبل أكثر من 500 سنة، الحدث الجلل هو “مرسوم الحمراء” والذي نص على تهجير كل يهود المملكة الاسبانية إن لم يعتنقوا الدين المسيحي بالإكراه.

تاريخ الظلم المتصل

من القرن الثامن وحتى القرن الرابع عشر كانت شبه الجزيرة الإيبيرية (اسبانيا وبرتغال العصرية) تحت سيطرة الخلافات العربية الإسلامية، ومعظمها غبان الخلافة الأموية في الأندلس. ومثلت تلك الفترة في عيون اليهود فترة ذهبية حتى سميت “العصر الذهبي ليهود سفراد” (إن سفراد هو الاسم العبري لإسبانيا)، حيث تربى وكبر ونشط وابدع في تلك الفترة العديد من المفكرين اليهود بما فيهم الحاخام والفيلسوف والطبيب موسى بن ميمون والمفكر والشاعر يهودا هاليفي.

لكن في القرن الـخامس عشر شرع الاسبان الكاثوليك بإعادة فتح أراضي بلدهم واحتلوا الإمارات والممالك المختلفة التي أقيمت على أرض شبه الجزيرة الإيبيرية في إطار ما يسمى ب”ريكونكيستا” أي “إعادة الاحتلال”. وفي عام 1492 تزوج الملك فرناندو من آراغون والملكة إيزابيلا من قسطيليا ليوحدان جميع الأراضي الاسبانية تحت حكمهما بشكل نهائي.

وفي تلك الأعوام تأسست في اسبانيا “محاكم التفتيش” (“الإينكيسيسيون”) الدينية القاسية والتي حققت مع أعداد كبيرة من سكان اسبانيا الذين وجهت إليهم تهم الكُفر أو الإلحاد، حاكمةً على المتهمين بالمعاقبات الجسدية العنيفة وحتى بالموت. ومع توحيد أراضي اسبانيا وجّه رئيس محكمة التفتيش حينذاك “توماس دي توركمادا” بأنّ يهود المملكة يؤثرون سلبا على المسيحيين الجدد في بداية طريقهم كمسيحيين متهما اليهود بالانحياز الواضح للحكم الإسلامي السابق لتسامحه المعلوم والطبيعي تجاه اليهود ودينهم. وعقب تلك الأسباب وقع العاهلان على “مرسوم الحمراء” والذي نص على ترحيل اليهود في حال لم يعتنقوا الدين المسيحي فورا.

أدى ذلك القرار الحزين إلى زوال إحدى الجاليات اليهودية الكبيرة والأكثر ازدهارا على مستوى عالمي مع ترك عشرات آلاف اليهود بيوتهم وممتلكاتهم ونزوحهم إلى مواقع مختلفة كانت أبرزها بلاد البلقان وأناضولية (تركيا الحالية) وبلغاريا وانتقل جزء صغير منهم إلى أرض إسرائيل، كما وأثر المرسوم وبشكل قوي على الثقافة والشعر كما يلحظ من مؤلفات عديدة تعود لتلك الأيام الصعبة. لذا يسمى اليهود الذين تعود أصولهم لذلك التهجير “سفراديم” (حرفيا: الاسبان). وفي أوطانهم الجديدة حافظ اليهود على ثقافتهم وأغانيهم ولغتهم القديمة، والتي تسمى ب”لادينو” أو “يوديو-اسبانيول” (الاسبانية اليهودية) وهي فعلا لهجة إسبانية من القرون الوسطى التي لم تتغير بشكل كبير ما وفر فرصة مثيرة للاهتمام للتعرف على طبيعة اللغة الاسبانية القديمة بشكل عام.

لكن لم يرحل كل اليهود من اسبانيا، فبالإضافة للرقم الصغير من اليهود الذين اعتنقوا فعلا المسيحية، تبقت في إسبانيا جالية كبيرة تشمل آلاف اليهود الذين اختاروا اعتناق الدين الجديد خارجيا لكنهم حافظوا على هويتهم اليهودية سرا. ويسمى أولئك اليهود ب”مارانوس” أو “آنوسيم” وتحافظ عائلات عديدة في اسبانيا والبرتغال العصريتين على هويتها ومعرفتها بأنّ الأجداد كانوا يهودا بالفعل. وتسعى أعداد كبيرة منهم الى البحث للتعرف على ديانة الأجداد بشكل أفضل، سواء كان هدفها العودة إلى الجذور أم معرفة الماضي العريق بشكل أفضل.

وفي أيامنا تبقت إسبانيا إحدى البلاد الأكثر عداوة لليهود، كما يشير موقع أحد أكبر الصحف الاسبانية “إل بايس”، والذي يقول وفقا لاستطلاع رأي من عام 2010، إن 34.6% من الإسبان يملكون آراء معادية لليهود، رغم أنّ اليهود يمثلون اقل من 0.1% فقط من سكان اسبانيا اليوم ، كما أن المجتمع اليهودي في إسبانيا قد أعلن في العام 2015 عن ارتفاع نسبة أحداث العنف المعادية لليهود بنسبة رهيبة.

لكن مع كل ذلك تشهد علاقات إسرائيل بإسبانيا اليوم ازدهارا ملفتا للنظر، متزامنا مع الإلغاء الطقسي للفرمان المشؤوم سيء الصيت في عام 1968، ومع قرار الحكومة الإسبانية عام 2014 توفير فرصة الحصول على الجنسية الإسبانية لأبناء العائلات المهجرة قبل ما يزيد عن 5 قرون، تعبيراً عن حزن الحكومة الإسبانية وأسفها لأحداث الماضي المؤلمة.

حقوق الصورة البارزة: ويكيبديا

تعليقات