نظرة إلى التاريخ: العملية السرية لإنقاذ يهود اليمن

كيف نجحت دولة إسرائيل الصغيرة والفتية بنقل نحو 50 ألف يهودي من بلد آخر على مسافة مئات الكيلومترات، لا تربطهما أي علاقات دبلوماسية على الاطلاق؟ ندعو قراءنا الأعزاء للاطلاع على عملية شيقة جدا جرت في نهاية الاربعينيات وبداية الخمسينيات من القرن الماضي، عاد خلالها نحو 50 ألف من شتات يهود اليمن إلى دولة إسرائيل الجديدة

أوهاد مرلين / حصري للمغرد

تشير الاكتشافات الأثرية إلى وجود يهودي في منطقة يمن العصرية يعود إلى القرن الـ5-4 قبل الميلاد على الأقل، ربما عقب السبي البابلي الذي وقع في العام 568 قبل الميلاد، ويعتقد بأن أسباب استقرار الجاليات اليهودية هناك تعود لتمثيل منطقة جنوب الجزيرة العربية وموانئها نقط مهمة ضمن مسارات التجارة القديمة.

وعلى مر العصور استقرت الجالية اليهودية في تلك المنطقة ولغاية إقامة مملكة “حميار” بين القرون ال2-4 للميلاد والتي كان معظم قيادييها من أصول يهودية. عاش اليهود في اليمن تحت سيادات مختلفة  في أوضاع جيدة وسيئة على حد سواء. لكنهم بقوا دائما مخلصين لوطن أجدادهم القديم في أرض إسرائيل في إطار صلواتهم وأحلامهم، وعلى سبيل المثال في العام 1881 قرر مئات من اليهود اليمنيين الهجرة لأرض إسرائيل لأسباب دينية وقومية واستقروا في مدينة أورشليم بعد أن وفرت لهم الفرصة بسبب صحوة الحركة الصهيونية ونشاط الفعاليات الصهيونية لشراء الأراضي في أرض إسرائيل.

الطريق إلى الدولة الجديدة

وفي العام 1947 بعد قرار التقسيم الأممي والذي نص على إقامة دولتين عربية ويهودية في مناطق الانتداب البريطاني، تعرض آلاف اليهود اليمنيين للاعتداءات العنصرية العنيفة من قبل الجماهير في البلاد، الأمر الذي حث القيادة اليهودية في أرض إسرائيل على إيجاد حلا عاجلا لأبناء شعبهم الموجودين في اليمن. وفعلا أقامت الوكالة اليهودية مخيمات للاجئين اليهود في مدينة عدن اليمنية والتي كانت حينذاك مستوطنة بريطانية. وسمى اليهود ذلك المخيم في مدينة عدن “جيؤولاه” أي “الخلاص”، وجاء إليه آلاف اليهود من جميع أرجاء اليمن، معظمهم بعد رحلة طويلة امتدت أسابيع طويلة من المشي في الصحراء تحت الشمس الحارقة.

عائلة يمنية في طريقها إلى مخيم اللاجئين في مدينة عدن

وبعد إقامة دولة إسرائيل عانى يهود اليمن، على غرار معظم يهود الدول الإسلامية، من اعتداءات واضطهاد من قبل جيرانهم المسلمين والسلطات المعادية لليهود ولإسرائيل، ما حث المزيد من اليهود إلى الانتقال لمخيم جيؤولاه متمنين الهجرة لدولة اليهود. ووفقا لبيانات وزارة الاستيعاب، سجل المخيم رقم قياسي من أكثر من 30 ألف لاجئ، بالرغم من قدرته على استيعاب ألف لاجئ فقط. وفي العام 1949 سمح الإمام اليمني لليهود أن يتركوا البلاد، ما مثل نقطة إطلاق عملية نقل اليهود المضطهدين إلى أرض الميعاد بعد آلاف السنوات من التوق والأمل.

ساندت العملية شركة الطيران الأمريكية “آلاسكا”، التي سيرت نحو 3 رحلات جوية يوميا، اصطف على متنها نحو 150 مهاجر ومهاجرة سرا، ولم يتم نشر أية تفاصيل من تلك العملية حينذاك حتى إنهائهانظرا  لحساسيتها. والجدير بالذكر أن دولة إسرائيل الفتية  كانت في تلك الأيام في حالة حرب ضارية مع دول الجوار، الأمر الذي اضطر الطيارين الى تمديد فترة الرحلات الجوية لتجنب التحليق فوق المناطق الجوية التابعة لتلك الدول. واستمرت كل الرحلة نحو 8 ساعات بلا أي توقف.

ونقلت دولة إسرائيل الشابة والمحاربة لأجل نجاتها نحو 50 ألف مهاجر على هذا النحو، الأمر الذي يمثل فعلا نوعا من المعجزة. وأهبطت آخر طائرة من تلك العملية الناجحة في بداية شهر مارس عام 1949 وسميت تلك العملية “مرفاد هاكساميم” (بساط الريح بالعبرية) أو “عال كنفي نشاريم” (“على أجنحة النسور” بالعبرية)، إشارة للآية من الكتاب المقدس (سفر الخروج الإصحاح 19 الآية 4) والتي يصف فيها الرب خروج بني إسرائيل من مصر وجلبهم إلى أرض الميعاد:

أَنْتُمْ رَأَيْتُمْ مَا صَنَعْتُ بِالْمِصْرِيِّينَ. وَأَنَا حَمَلْتُكُمْ عَلَى أَجْنِحَةِ النُّسُورِ وَجِئْتُ بِكُمْ إِلَيَّ

في إسرائيل

إن استقطاب واستيعاب مئات الآلاف من المهاجرين، من اليمن وغيره من دول عربية وإسلامية، ليس أمرا بسيطا على الاطلاق، خاصة مع الاوضاع التي كانت سائدة في إسرائيل حينذاك. وبطبيعة الحال لم تكن بداية اليهود اليمنيين في دولة إسرائيل الجديدة بداية بسيطة، بل كانت مليئة بالتحديات والصعوبات، من قضية الإسكان الجماعي والأوضاع الطبية وحتى الالتقاء بين حضارة يهود اليمن القديمة والتقليدية مع الثقافة الإسرائيلية العلمانية الجديدة. لكن الحمد لله نجحت دولة إسرائيل باجتياز ذلك الاختبار، واليوم يشغل اليهود اليمنيين مناصب مهمة جدا في جميع مجالات الحياة في إسرائيل، من الموسيقى والرياضة والطب وحتى السياسة والأكاديمية.

حقوق الصور: ويكيمديا

تعليقات