50 عاما على محو الجالية اليهودية في ليبيا

قوانين تمييزية واضطهاد ومجازر وصلت ذروتها غداة حرب الأيام الستة افضى الى تفريغ ليبيا من يهودها ومصادرة اموالهم

إيال دافيد*

على خلفية موجة الهجرة الكبرى إلى إسرائيل بين عامي 1949-1951 حاول آلاف اليهود الذين بقوا في ليبيا بعد نيلها لاستقلالها في كانون الثاني / يناير 1951 مواصلة روتين حياتهم المريحة، وكان معظمهم يسكنون في طرابلس العاصمة، إضافة إلى عدد قليل منهم في بنغازي، وكان أغلبهم من أبناء الطبقة المتوسطة العليا، وحافظوا على مواقعهم الهامة في الحياة التجارية والاقتصادية، ينعمون بالثروة الكبيرة التي حصلت عليها ليبيا نتيجة اكتشاف النفط في أراضيها اعتبارا من أواخر الخمسينات، وعاشوا حياة خصص جزء غير قليل منها لفعاليات وقت الفراغ من ثقافية وغيرها، ومنها السهر في الكازينو ودور السينما والنوادي الليلية وعلى شاطئ البحر.

وكان أبناء الطائفة اليهودية في تلك الحقبة يعد معظمهم بين النخبة الصغيرة التي كانت تشتمل على المسلمين والأجانب، حيث كانوا على صلة بهم في التجارة والمؤسسات التعليمية وأماكن اللهو والسهر. ولكن اليهود، وإلى جانب ذلك كله، ظلوا ملتزمين بدينهم، حتى عندما فرضت عليهم أحكام مزعجة جعلت حياتهم في طرابلس أقل تحملا بمرور الأيام، حيث تعرضوا للتمييز ومظاهر الكراهية والعنف، لكون تضامنهم مع الثقافة اللغة الإيطاليتين تبعدانهم عن الأغلبية الإسلامية التي كانت تكن لهم العداء لارتفاع مركزهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما لم يكن متماشيا مع ما كان مفروضا فيهم باعتبارهم ذميين بحسب التعاليم الإسلامية.

ومع كون الدستور الليبي يضمن رسميا للسكان اليهود تكافؤ الحقوق مع المسلمين، إلا أن وضعهم القانوني أصبح منحطا بعد استقلال ليبيا، إذ بات معظمهم مسلوبي الحقوق السياسية، بل لم يعتبروا مواطنين في الدولة. وعندما أرادوا السفر خارج ليبيا لم يتسلموا سوى وثائق السفر المؤقتة، وكان على أحد أبناء العائلة البقاء في ليبيا بصفته “رهينة”، لإرغام أقربائه على العودة إلى ليبيا وعدم مغادرتها نهائيا. واعتبارا من عام 1953، أصبحت جوازات سفر اليهود يؤشر عليها بحرفي “ي ل” (يهودي ليبي) مرفقا بهما رقم تسلسلي، كما منعوا من ممارسة أي نشاط ثقافي أو تربوي أو رياضي أو قانوني مستقل.

حقوق التصوير: ليئورة بارانس

 

ومن بين الإجراءات الأخرى التي تعرض لها اليهود، الحد من استعمالهم للخدمة البريدية إلى إسرائيل، ما كان يعيق الاتصالات بين أبناء العائلة الواحدة الذين يوجد بعضهم في ليبيا والأخر في إسرائيل، كما تم إغلاق مقر الوكالة اليهودية التي كانت تعمل باعتبارها مكتبا لتسهيل الهجرة إلى إسرائيل، تعرض مجلس الطائفة اليهودية للحل. وقد انضمت ليبيا إلى المقاطعة العربية لدولة إسرائيل، وتم إثر ذلك سن سلسلة من القوانين التي ضيقت الخناق على اليهود. وفي الوقت نفسه شنت الصحافة والإذاعة وخطباء المساجد حملة دعائية مناهضة لليهود ولإسرائيل.

وقد شهد يهود ليبيا موجتين من المجازر فصلت بينهما ثلاث سنوات، حيث وقعت الأولى سنة 1945، والثانية سنة 1948. أما الموجة الثالثة فقد تعرض لها اليهود خلال عقدين من الزمان، ففي العام 1967، وعند نشوب حرب الأيام الستة، بلغت ليبيا أخبار بدء الحرب، ما فجر حملة من اضطهاد اليهود من قبل عصابات عربية تهتف بالشعارات المناهضة لإسرائيل واليهود والإمبريالية، وقد قتل خلال هذه المجازر 17 يهوديا، من بينهم أسرتان كاملتان تعرضتا للقتل من أحد الضباط الليبيين، وهما عائلة لوزون وعائلة برانس. وقد اضطر اليهود إلى الاختفاء خوفا على حياتهم، فيما بقي بعضهم حبيس بيته، وكان منهم أيضا من حظي بالدعم والمساعدة من جيرانه المسلمين.

وحيال أعمال الشغب وبناءً على طلب أحد وجهاء الطائفة، ليلو أربيب، وافقت السلطات الليبية على السماح لليهود بالمغادرة إلى إيطاليا، بل سرعان ما حولت هذه الموافقة إلى قرار ملزم، ليجبَر اليهود على مغادرة الدولة كلاجئين خاضعين لشروط قاسية، حيث لم يسمح للشخص الواحد بحمل ما يزيد عن عشرين ليرة ليبية إضافة إلى أمتعته الشخصية، وبقاء بيوتهم وكافة ممتلكاتهم في ليبيا. وخلال أسابيع معدودة اختفت الطائفة كلها تقريبا من ليبيا، ولم يبق فيها سوى مئة يهودي تقريبا غادروا ليبيا بعد انقلاب القذافي العسكري سنة 1969.

ورغم ظهور دولة إسرائيل كوجهة طبيعية لليهود الليبيين، إلا أن نصف أبناء الطائفة اختاروا الاستقرار في إيطاليا، وفي روما وميلانو أساسا، إذ كانوا يعتقدون بأنهم سيتأقلمون في إيطاليا بسرعة أكبر ثقافيا واجتماعيا، ولم يكونوا قد تخلوا عن أملهم في العودة إلى ليبيا في وقت لاحق للمطالبة بتعويضهم عما بقي فيها من أملاكهم، وهو أمل تلاشى على مر السنين، بل أصبح يبدو مستحيلا اليوم، وبعد مرور خمسين عاما وتفسخ الدولة الليبية في عهد ما بعد القذافي.

* مقتبس من مقال بقلم “إيال دافيد” حامل شهادة الماجستير من قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية للجامعة العبرية في أورشليم القدس. وكان دافيد قد قدم رسالة ماجستير عنوانها: “الحياة اليومية لليهود من أبناء الطبقة المتوسطة العليا في مدينة طرابلس (1951-1967)”. ونشر المقال الحالي لأول مرة باللغة العبرية في إطار ورشة العمل التاريخية والاجتماعية التي نظمتها صحيفة “هآرتس” على الإنترنت في 13 حزيران / يونيو 2017.

حقوق التصوير: ليئورة بارانس

تعليقات