تاريخ وحياة اليهود في المجتمعات العربية والإسلامية في مؤتمر ببرلين

تناول مؤرخون وباحثون أكاديميون عرب وإسرائيليون وإيرانيون وغيرهم مختلف جوانب التاريخ والحياة اليهودية الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية في الدول العربية والإسلامية. إليكم التفاصيل

ريم قمرى*

“اليهود في الدول ذات الأغلبية الإسلامية – التاريخ والآفاق” تحت هذا العنوان انعقد مؤتمر دولي في العاصمة الألمانية برلين في الفترة ما بين 24 و27 تشرين الأول اكتوبر.

تميز المؤتمر بغنى وكثافة برنامجه وأسماء المشاركين فيه من مؤرخين وباحثين أكاديميين عرب وإسرائيليين وإيرانيين وأتراك وأمريكيين وألمان وغيرهم في مجالات التاريخ والأدب والثقافة والمجتمع واللاهوت والشريعة وغيرها، من جامعات ومراكز أبحاث عديدة حول العالم. وقد تناول هؤلاء مختلف جوانب التاريخ والحياة اليهودية الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية في الدول العربية والإسلامية خلال فترات تاريخية مختلفة.

في هذا التقرير لن نستطيع تسليط الضوء على كل المحاضرات والأوراق البحثية التي تم تقديمها خلال أيام المؤتمر، ولكن سنتطرق إلى أبرزها التي تهم قراء موقع المغرد بالدرجة الأولى.

افتتاح المؤتمر كان بمحاضرة الباحث اليهودي المعروف مارك كوهين من جامعة برينستون الأمريكية حول وضع اليهود في العالم الإسلامي في العصور الوسطى، مبيينا أن وضعهم القانوني والاجتماعي كان جيدا. إذ كانوا يحتلون مناصب مرموقة في الحكومات الإسلامية، وكانوا مندمجين في اقتصاد العالم الإسلامي. لكن من الناحية الثقافية فكانوا يعتبرون جزء من اللغة العربية والثقافة الإسلامية.

ابن تيمية يستغل اليهود ضد خصومه!

في حين تطرق الدكتور ليران يدجار من جامعة شيكاغو، في بحثه إلى “آراء ابن تيمية عن اليهودية” مشيرا إلى اهتمام ابن تيمية باليهود واستخدامه المواد التوراتية والربط بين اليهود والهرطقات في الإسلام، مستغلا اليهود في مهاجمة خصومه ولتقديم الإسلام كـ “طريق وسط” بين اليهودية والمسيحية!

وتحت عنوان: اليهود والعرب في المدن الفلسطينية الرئيسية في العصر العثماني المتأخر، تحدث أستاذ العلوم السياسية في جامعة بار إيلان، مناحيم كلين عن الهوية الهجينة العربية اليهودية التي كانت موجودة فعليا في فلسطين منذ أواخر القرن التاسع عشر.

يهود مصر

وشارك أيضا أستاذ الدراسات الثقافية الإسرائيلية في جامعة نورث كارولينا، يارون شيمر بمحاضرة تحت عنوان “إعادة التفكير في كونية اليهودية المصرية والانتماء والحنين: وجهات نظر سينمائية مصرية” تطرق فيها إلى المسارات الخطابية لليهود المصريين العالميين في الأفلام الوثائقية “صلاة البلاد” (نادية كامل، 2007) و”اليهود المصريين” (أمير رمسيس، 2012) و”في ضوء الإسكندرية” (يوسف شاهين 1978) وكيف  تقدم هذه الأعمال الإبداعية مجتمعة بديلا للصور النمطية لليهودي في أفلام التجسس المصرية والكوميديا التلفزيونية.

وتحت عنوان “تمزق وتضارب في روايات رحيل اليهود من مصر” تناولت الباحثة  كاثرين هالز، من الجامعة الأمريكية في القاهرة ، السرد التاريخي المتناقض حول رحيل اليهود في القرن العشرين من مصر، مع التركيز على اليهود الذين سجنوا وطردوا من مصر في أعقاب حرب 1967.

اليهود في الأدب العراقي

أما رونين زيديل، الذي يعتبر مؤرخ العراق والمختص في دراسة الهوية العراقية بجامعة تل أبيب، فتحدث في المؤتمر عن “اليهود في العراق والهوية الوطنية العراقية” من خلال روايتين عراقيتين حديثتين. مبينا أنه بعد عام 2003، أعادت الرواية العراقية اكتشاف المجتمع اليهودي المنقرض في العراق. وأشار إلى التعددية في المجتمع العراقي في الماضي، من خلال دراسته وتحليله للروايتين.

أما الباحث والإعلامي العراقي مازن لطيف فقدم ورقة تحت عنوان “يهود العراق في الصحافة والدراسات الجامعية بعد عام 2003” تحدث فيها عن تاريخ يهود العراق وصورة اليهود  في الصحافة العراقية بعد 2003 من خلال استعراض نماذج مما تم نشره بعض الصحف وفي الأبحاث الجامعية والرسائل والاطروحات الجامعية مستنتجا أن الخطاب العراقي حول اليهود تطور وأصبح أكثر انفتاحا بعد أن كان متشنجا لعقود فيما يتعلق بموضوع الأقليات الاثنية والدينية بصفة عامة.

اليهود في لبنان

والباحثة ألين شليفبر من جامعة جنيف، تحثت عن اليهود في لبنان و”الصراع بين المجتمعات اليهودية في صيدا وبيروت” مركزة على تحول بيروت إلى مركز لجذب اليهود من مناطق كثيرة مختلفة؛ مثل اليهود الأشكيناز الهاربين من الاضطهاد ومعاداة السامية في روسيا، واليهود السفارديم الهاربين من السلطة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر واليهود السوريين والعراقيين قبل وبعد إنشاء دولة إسرائيل، بالإضافة إلى اليهود العرب المحليين.

في حين أن سيث أنزيسكا، المحاضر في كلية لندن الجامعية، تطرق في بحثه تحت عنوان “الوجود بين يافا وبيروت: الوجود والغياب اليهودي في لبنان ما بعد الحرب” تاريخ الجالية اليهودية الطويل في لبنان، الذي وخلافا للدول الأخرى في الشرق الأوسط، تطورت ونمت الطائفة اليهودية فيه بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948. لكنهم بدؤوا بالهجرة بعد اندلاع الحرب الأهلية الأولى في البلاد عام 1958، وبأعداد كبيرة بعد حرب حزيران عام 1967، وخلال الحرب الأهلية اللبنانية الثانية (1975-1990) والغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 هاجر كل من بقي منهم تقريبا.

اليهود في دمشق – اندماج وعلاقات قوية مع غيرهم

وتقودنا فيداه توتاه، أستاذة العلوم السياسية في جامعة فرجينيا الأمريكية إلى سوريا و”اليهود في المدينة القديمة في دمشق” والتجول في الحي اليهودي بدمشق مبينة أنه لم يكن “غيتو” حيا معزولا عن الأحياء الأخرى، ما سمح بإقامة علاقات قوية بين اليهود الدمشقيين وغيرهم من سكان المدينة في أوائل خمسينيات القرن الماضي. واللافت أنه تم نقل اللاجئين الفلسطينيين إلى الحي اليهودي، وتوطينهم بجوار اليهود! مشيرة إلى العلاقة الحيوية والمميزة بين اليهود والفلسطينيين خارج إسرائيل من خلال وصف التجارب اليومية لكلا الطرفين.

 اليهود في ليبيا

وأستاذ علم الاجتماع والانتروبولوجيا هارفي غولدبيرغ من الجامعة العبرية في القدس، تحدث عن “الدور الرمزي لليهود في الصراع بين الدولة والمجتمع في ليبيا العثمانية المتأخرة” وتناول الإصلاحات العثمانية في ليبيا نهاية القرن الـ 19 واستفادة اليهود من هذه الإصلاحات اقتصاديا واجتماعيا.

“ظل في بغداد” يحكي مأساة يهود العراق

كما عرض على هامش المؤتمر الفيلم الوثائقي “ظل في بغداد” بحضور بطلة الفلم الصحفية الإسرائيلية-العراقية ليندا منوحين عبد العزيز، التي تجسد ماساة التيه اليهودي من خلال بحثها عن والدها المفقود المحامي يعقوب عبد العزيز متنقلة من مكان إلى آخر دون جدوى. تجسد قصتها مأساة اليهود العراقيين الذين فقدوا ذويهم. والجدير بالذكر أن هذا الفيلم الوثائقي الدرامي قد عرض في دول عديدة خارج إسرائيل مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، وأنه كان مادة للكثير من الدراسات والأبحاث حول الهوية العراقية في العديد من جامعات العالم.

*صحفية من تونس

تعليقات