من ألقى القنبلة التي دفعت بالمزيد من يهود العراق الى الهجرة؟

بقلم السفير المتقاعد تسفي جباي

تسببت عملية إلقاء قنبلة يدوية على كنيس “مسعودة شمطوب” في 14 كانون الثاني / يناير 1951، وخلال عملية تسجيل يهود العراق الراغبين في الهجرة إلى إسرائيل، في مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة ستة آخرين بجروح بالغة وتسعة بجروح بسيطة، كما أحدثت هزة عنيفة في الطائفة اليهودية. ولتلكؤ الحكومة العراقية في نشر نتائج تحقيقها في هذه الفعلة، تم ترويج إشاعة شريرة مفادها أن منفذ الفعلة الشنيعة هي الحركة الصهيونية، وبهدف تسريع خروج اليهود من العراق. وقد ألحق إلقاء هذه التهمة الكاذبة الخطيرة ضررا بأعضائها وبالشخص الذي كان يترأسها وهو موردخاي بن بورات، والذي بات لسنوات يكافح لتبرئة الحركة الصهيونية وتبرئة نفسه، ما دفعه إلى رفع دعوى تشهير، أملا في كشف حقيقة القضية.

وصدرت في الأيام الأخيرة سيرة ذاتية لموردخاي بن بورات وعنونها “من مسقط الرأس إلى الوطن” (دار “نيبر” للنشر) تتضمن ولأول مرة شهادة مرتكبي جريمة إلقاء القنابل اليدوية على الكنيس وعلى مقهى كان الشباب اليهود يرتادونه. وكان كتاب صدر في عام 2013 للمؤرخ العراقي شامل عبد القادر، وعنوانه “تاريخ الحركة الصهيونية في العراق ودورها في هجرة اليهود عام 1950-1951″، حيث تضمن اعترافا لأحد المشايخ وشخص اشترك معه بكونهما هما من ألقى القنابل، وذلك بتوجيه من الشاعر الوطني عدنان الراوي، من كبار مسؤولي حزب الاستقلال القومي الذي كان يسعى لطرد اليهود من العراق.

هكذا تيسر لبن بورات وهو في سن متقدمة جدا قراءة شهادة مباشرة للفاعلين، واللذين لم ينلهما أي عقاب بطبيعة الحال. أما اليوم فإن اليهود العراقيين مسرورون لغيابهم عن العراق، هذا البلد الدامي الذي كانوا يقيمون فيه على مر التاريخ ومنذ خراب الهيكل اليهودي الأول سنة 586 قبل الميلاد.

وكما هو معروف أن قمة الأنشطة المحسوبة لموردخاي بن بورات هي مهمته السرية في بغداد وقيامه بتنظيم عملية “عزرا ونحميا” بالمشاركة مع شلومو هليل وهي الحملة التي غادر في إطارها العراق إلى إسرائيل نحو 110 آلاف من اليهود العراقيين. وظلت هذه العملية الواسعة النطاق تدور دون أي عائق يذكر، إلى أن ألقيت تلك القنبلة اليدوية على الكنيس، والذي كان يعتبر “المحطة الأخيرة” في طريق المغادرين إلى إسرائيل إلى مطار بغداد في طريقهم إلى اسرائيل.

وقد مرت مسيرة بن بورات بمنعطفات حساسة من تاريخ إسرائيل المعاصر، حيث قدم إلى أرض إسرائيل سنة 1945، وتخرج بعد قيام دولة إسرائيل من أول دورة ضباط أقامها جيش الدفاع الإسرائيلي. وخلال قيامه بمهمة في العراق اعتقلته المباحث العراقية، حيث أصبح قاب قوسين أو أدنى من الإعدام. ولكنه تمكن من الفرار والصعود إلى إحدى الطائرات الحاملة المغادرين إلى إسرائيل من اليهود. وفي إسرائيل انضم إلى الجهود الرامية إلى استيعاب القادمين في المخيمات المؤقتة، ليصبح الأب المؤسس لمدينة أور يهودا التي أصبح يقيم فيها العديد من القادمين من العراق ولمركز تراث يهود بابل، حيث كان يعتبر من تلامذة دافيد بن غوريون، والذي عينه هو وعدد من زملائه لتنفيذ وصيته. وظل بن بورات يسعى لمواجهة تحديات خدمة الجمهور وتم انتخابه في الكنيست، ثم عين وزيرا في وزارتي مناحيم بيغن ويتسحاق شمير، حيث عمل بلا كلل ولا ملل على تحقيق مصالحة وطنية بين مختلف التيارات والأحزاب السياسية الإسرائيلية وتشكيل حكومة وحدة وطنية.

وقد كشف موردخاي بن بورات في كتابه معلومات جديدة تدور حول أهم شخصيات الساحة السياسية الإسرائيلية ومنهم موشيه ديان ومناحيم بيغن وعيزر فايتسمان وشمعون بيرس ويتسحاق رابين. وكان بيغن قد عينه في رئاسة اللجنة الوزارية المشكلة لبلورة حل لمشكلة اللاجئين العرب، علما بأن توصيات تلك اللجنة ما زالت قابلة للتنفيذ إلى يومنا هذا وقد أوردها بن بورات ضمن كتابه الجديد.

وظل بن بورات يعمل بلا كلل على دمج أبناء الطوائف الشرقية في المجتمع الإسرائيلي، ويكافح من أجل اليهود الذين نشأوا في الدول العربية وتحقيق العدل لهم، حيث بادر سنة 1974 إلى إنشاء المنظمة العالمية ليهود الدول العربية، وهي المنظمة التي نظمت المؤتمرات الدولية والتي سلطت الأضواء على مطالبة اليهود القادمين من الدول العربية بنيل ما يستحقونه من العدل والإنصاف. وبمبادرة منه قام موشيه ديان خلال فترة أدائه لمنصب وزير الخارجية بإثارة قضية هؤلاء اليهود أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مطالبا بمساواة قضيتهم بقضية اللاجئين العرب، ومما يؤسف له عدم قيام من تلاه من وزراء الخارجية المتعاقبين بمواصلة الاهتمام بهذه القضية.

ويسرد كتاب موردخاي بن بورات سيرة حياة رائعة لشخصية يحسب لها كم كبير من الأنشطة وعملت في السر والعلن من أجل الدولة والطائفة العراقية.

تصوير: تيدي براونر

تعليقات