اليهود فى الروايات المصرية الأخيرة

book-1867716_640
صدرت عدة روايات فى السنوات الأخيرة تعالج قضية الوجود اليهودى فى مصر، هى: «أيام الشتات» لكمال رحيم و«سانتا تريزا» لبهاء عبد المجيد، و«آخر يهود الإسكندرية» لمعتز فتيحة، و«حد الغواية» لعمرو عافية و«يهود الإسكندرية» لمصطفى نصر

لم ينقطع وجود اليهود بشرا ودينا وطقوسا وممارسات وتصورات وانتماءات وتفاعلات عن الأدب المصرى، الذى قام، فى كل الأحوال، بمعالجة متفاوتة لهذه المسألة، من حيث الحجم والقيمة والتوجه، بلغت حدا لافتا فى بعض قصص وروايات نجيب محفوظ الذى ارتبط يهود مصر لديه بالبهجة والمسرة واللذة الجسدية، وإحسان عبد القدوس الذى احتل اليهود فى أدبه موقعًا عريضا نسبيا، دفع الباحث رشاد عبد الله الشامى، المختص فى الدراسات الإسرائيلية، إلى أن يكتب، قبل ربع قرن تقريبا، كتابا عنوانه «صورة المرأة اليهودية فى أدب إحسان عبد القدوس». وهناك أيضا بعض الأعمال النثرية المبكرة لتوفيق الحكيم وإبراهيم عبد القادر المازنى، إلى جانب أبيات شعرية لأحمد شوقى وحافظ إبراهيم.

 وقد عاد الوجود اليهودى فى الآونة الأخيرة ليدق باب الأدب المصرى بقوة، ليشكل ظاهرة لا تخطئها عين، ولا يجب أن تمضى من دون رصد ومساءلة وتحليل، لا سيما بعد أن تخلص السرد الجديد من الرواسب والحمولات التى ألقاها قيام إسرائيل وحروبها مع العرب على الأدب المصرى فى الفترة المتراوحة بين 1948 و1979 لا سيما فى أعمال يوسف القعيد وجمال الغيطانى وفؤاد حجازى وغيرهم، وفى كثير من قصص الحرب ورواياتها.

بل ذهب الأديب المصرى الراحل فتحى غانم إلى ما هو أبعد، حين اتخذ من إحدى القرى التى تقع على مقربة من القدس مكانا لروايته «أحمد وداود». بينما ذهبت روايتا صنع الله إبراهيم «أمريكانللى» وعلاء الأسوانى «شيكاغو» إلى مكان أبعد، حيث تدور أحداثهما فى شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية، الأولى أحد أبطالها أستاذ تاريخ يلتقى أشخاصا من اليهود فى تلك المدينة التى سافر إليها فى إجازة علمية لمدة فصل دراسى، والثانية يقابل بطلها فتاة يهودية فى جامعة شيكاغو، التى يدرس فيها، وتنشأ بينهما علاقة ما، فتذهب إليه فى منزله، ثم تخبره أنها يهودية عقب لقائهما، فيبين لها أنه لا يعادى اليهود كأتباع ديانة، إنما هو ضد الصهيونية.

وكان لبعض كتاب هذا الجيل تناول مختلف مثل ما كتبه إبراهيم عبد المجيد فى روايته «طيور العنبر» عن «راشيل»، اليهودية التى غادرت الإسكندرية عام 1956، بعد قصة حب فاشلة. وربما لأنها كانت تنأى بنفسها عن السياسة، فلم تقع عليها، عبر النص الروائى، أى من حمولات الشك والاستهجان والتخوين والنبذ التى ظهرت فى روايات أخرى، بل إن الرواية لم تكن تحبذ خروج اليهود من مصر أصلا، لا سيما من الإسكندرية كمدينة كوزموبولوتية خلال أربعينيات وأوائل خمسينيات القرن العشرين.

فإذا تركنا ما أنتجه هذا الجيل، وجئنا إلى المنتج الحالى، نلاحظ أنه قد صدرت عدة روايات فى السنوات الأهيرة تعالج قضية الوجود اليهودى فى مصر، هى: «أيام الشتات» لكمال رحيم و«سانتا تريزا» لبهاء عبد المجيد، و«آخر يهود الإسكندرية» لمعتز فتيحة، و«حد الغواية» لعمرو عافية و«يهود الإسكندرية» لمصطفى نصر.

ركز فتيحة فى روايته على حالة التعايش وقبول الآخر والإيمان بالتعددية الدينية التى كانت قائمة بين المسلمين والمسيحيين واليهود فى مصر خلال أربعينيات القرن العشرين، من خلال قصة حب بين مسلمة ويهودى. على النقيض دارت رواية عافية حول قصة حب بين يهودية ومسلم، وهى فى مضمونها تنأى بنفسها عن المقولات الجاهزة والشخصيات المكررة والمدركات المعتادة لليهود فى سماتهم وقسماتهم فى جزء كبير من النص السردى المصرى. أما كمال رحيم فقد أظهر تعاطفا نسبيا مع الشخصية اليهودية فى روايته، متمردا على الصورة النمطية التى ظهرت لليهودى فى الأعمال السينمائية والدرامية والروائية السابقة، التى أظهرته على أنه ثرى ومتحرر وبخيل، فأظهر الوجه الآخر لليهودى الفقير، الذى لا تختلف حياته عن بقية بسطاء المصريين من المسلمين والمسيحيين. وتتناول رواية «سانتا تريزا» جانبا من حياة اليهود فى مصر، إلى جانب المسلمين والأقباط، من خلال صاحب أتيليه الملابس اليهودى «لوكا» الذى جاء من اليونان إلى القاهرة، ومكث فيها، ولم يرحل مع الذين ذهبوا إلى إسرائيل، وكان يواظب على الصلاة فى المعبد اليهودى، لتصور لنا حالة من الضغائن بين المسيحيين واليهود، اتكاء على الخلاف التاريخى بين اليهود والسيد المسيح عليه السلام.

أما رواية مصطفى نصر، التى تمزج التاريخ السياسى والاجتماعى بالخيال، فهى الأكثر تناولا للموضوع فى اتساعه وعمقه عبر التاريخ، إذ إنها تتناول شخصيات يهودية عاشت فى الإسكندرية، وتتغلغل فى حياتها، وطرائق عيشها، وتوجهاتها الفكرية وتصوراتها، وشبكة علاقاتها، وأحلامها ورؤاها، عبر مساحة زمنية طويلة، ومع هذا فإن مؤلفها والدار التى نشرتها (مكتبة الدار العربية للكتاب) لم يزعما أنها تنطوى على حكايات تاريخية حقيقية إنما فيها خيال عريض حتى لو انطلقت من الواقع، حيث جاء على غلافها: «هذه الرواية لا تؤرخ ليهود الإسكندرية، بقدر ما تصنع أسطورة فنية ترصد كيفية تحول جون حلاق الصحة اليهودى الأبله إلى ولى، بعد أن يمنحه الوالى أبعادية تكون سببا فى قتله، ثم يقيم له قاتلوه ضريحًا، ويصبح له مولد يحتفل به اليهود كل عام. ويمزج الكاتب ببراعة ووعى بين الواقع والخيال، فيُضفى على شخصيات واقعية شهيرة -سياسية وفنية- لمسات من الخيال الخلاق بينما ينفخ فى شخصيات خيالية من روح الإبداع، فتتجسد على الورق حتى يكاد القارئ يراها ويلمسها».

تبدأ الرواية عام 1862 مع الخديو سعيد حاكم مصر وقتئذ، وعلاقته بحلاق الصحة اليهودى جون، الذى تمكن من مداواته، فقربه منه، ومنحه «أبعادية» مكونة من آلاف الأفدنة، فيبدأ أقرباؤه ومعارفه فى التآمر عليه، بل إن بعضهم راوده حلم بأن يحولها إلى منطقة استثمارية تدر عليه أموالا وفيرة. وهناك من أراد توزيعها على كل فقراء اليهود. ويوجد من زاد فى حلمه فسعى إلى أن تكون وطنا بديلا لليهود. وبالفعل تحرك البعض وأقاموا مجتمعا خاصا عليها، وتناسلت الأحلام فى كل حارات يهود الإسكندرية، بل انتقلت إلى سائر مدن مصر، لتختمر فكرة قتل جون وإقامة ضريح له يصبح مزارا لليهود من شتى أنحاء العالم.

إقرا المزيد – اليوم الجديد

تعليقات